أسفي : مغرب السيرة النبوية الشريفة .. الحب يتجسد في وعي امة تصنع نورها..
في زمن تختلط فيه الاصوات بين ضجيج المعلومة وسكون المعنى، يظل المغرب واحدا من الاوطان التي احتفظت لنفسها بموقع خاص في سجل المحبة النبوية وعلوم السيرة الشريفة. ومن مدينة اسفي، التي احتضنت ندوة وطنية حول تجليات عناية المغاربة بالسيرة النبوية، يتجدد المشهد العلمي والثقافي ليكشف مقدار هذا الارتباط العميق الذي لا يخفت صداه في الذاكرة الجماعية للمغاربة، علما وسلوكا ووجدانيا.
فالندوة، التي نظمها المجلس العلمي المحلي باسفي بشراكة مع مؤسسات علمية رسمية، جاءت لتعيد التذكير بعمق تاريخي راسخ يشهد على مكانة السيرة النبوية في حياة المغاربة. فقد توقف الاساتذة والعلماء المشاركون عند مسار طويل من التأليف والشرح والابداع المنهجي في خدمة السيرة، بدءا من كتب المديح النبوي وحقوق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وصولا الى المنظومات الشعرية التي اختارها المغاربة وسيلة للتعبير عن صلتهم الروحية بالجناب الشريف صلى الله عليه وسلم .
وفي معرض المداخلات، برز التأكيد على ان ارتباط المغاربة بالسيرة لم يكن طقسا عابرا، بل ممارسة حياتية يومية. فاسم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حاضر في البيوت والاسواق، في التربية والتعليم، في الادعية والاعراف، وفي طقوس الاحتفال بربيع الانوار. ولم تكن هذه العناية وليدة العصر الحديث، بل امتدت عبر قرون، خصوصا مع ملوك الدولة العلوية الذين جعلوا خدمة السيرة جزءا من مسؤوليتهم الشرعية والتاريخية، وهو ما تقاطع مع الرسالة الملكية السامية التي ارست دعائم العناية بالسيرة في سياق وطني جامع يخلد ذكرى المسيرة الخضراء وعيد الاستقلال.
وقد اضاءت الندوة مساحات واسعة من الاسهامات المغربية في هذا الباب، بدءا من دور الجامعات والمعاهد العتيقة، وصولا الى العلماء الذين اجتهدوا في الشرح والتحقيق، وتناولوا السيرة باعتبارها مصدرا للقيم والمنهج. واكد المتدخلون ان المغاربة كانوا دائما ينظرون الى السيرة النبوية باعتبارها مرجعا اخلاقيا يبني الشخصية الفردية ويهذب الوعي الجماعي، فالسلوك العام للمجتمع، والثوابت الوطنية والدينية، ومبادئ العيش المشترك، كلها امتدت من ذلك النور الذي حملته السيرة في القلوب والعقول.
ولم تغفل المداخلات الاشارة الى ضرورة تجديد الصلة بالسيرة في زمن تتغير فيه المفاهيم وتتعدد فيه مصادر التأثير. فالعودة الى روح السيرة ليست مجرد استحضار تاريخي، بل استعادة لبوصلة اخلاقية قادرة على هداية العمل العام وتثبيت قيم المسؤولية والشفافية واحترام الانسان. وهو ما عبر عنه المشاركون حين دعوا الى ربط الحاضر بالماضي، واستثمار المخزون الروحي والثقافي للسيرة في مواجهة تحديات العصر.
وفي ختام الندوة، وبرعاية حضور رسمي وعلمي وازن، تم تكريم علماء وخطباء ووعاظ ممن اسهموا في خدمة الشأن الديني، ليكون التكريم رسالة اخرى تؤكد ان خدمة السيرة ليست مسؤولية محصورة في المؤسسات، بل هي مسار تشاركي ينهض به الجميع.
• الناشر


إرسال التعليق