الرباط – النيابة العامة تعيد ترتيب بوصلتها التواصلية نحو اعلام اكثر شفافية ومسؤولية..
في الرباط، حيث تتقاطع اسئلة العدالة مع انتظارات المجتمع، انطلقت الدورة التكوينية الثالثة للناطقين باسم النيابات العامة لدى محاكم المملكة، وهي محطة جديدة في مسار تحديث علاقة القضاء بالرأي العام. خمسة ايام من التدريب المكثف ينخرط فيها قضاة يمثلون صوت المؤسسات القضائية، ليستوعبوا ادوات التعامل مع الاعلام والتواصل الرقمي، وليتقنوا فن مخاطبة المجتمع بوضوح ومسؤولية، بعيدا عن الارتباك واللغة الخشبية التي لم تعد تجد مكانا في زمن السرعة والمعلومة العابرة.
في الجلسة الافتتاحية، اكد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة هشام بلاوي ان هذه الدورات ليست نشاط تكويني فحسب، بل خطوة استراتيجية تنفذ مقتضيات قانون المسطرة الجنائية الجديد، الذي يشترط ان يكون لكل نيابة عامة ناطق رسمي قادر على تقديم المعلومة في وقتها، وبالصياغة التي تحترم الرأي العام دون ان تخل بقدسية القضاء. الهدف هو بناء جسر ثقة جديد بين المؤسسة القضائية والناس، جسر لا يقوم فقط على البلاغات الرسمية، بل على تواصل مهني رصين يشرح، ويوضح، ويبدد الضباب قبل ان يتحول الى شائعات.
من جهته، شدد مدير المعهد العالي للاعلام والاتصال عبد اللطيف بن صفية على ان هذا البرنامج ليست غايته تكوين تقني بقدر ما يروم ترسيخ ثقافة اعلامية داخل الجهاز القضائي، ثقافة تجعل الناطق الرسمي مؤهلا لشرح الحقائق، وتقديم المعلومات، وفتح النقاش مع المجتمع، منتقلا من وضع المتلقي الصامت الى فاعل يمتلك ادوات البيان، خصوصا وان النيابة العامة صارت خلال السنوات الاخيرة حاضرة بوضوح في المشهد الاعلامي الوطني، وهو مكسب يحتاج الى صيانة وتطوير مستمر.
وتستند هذه الدورة الى منهجية تفاعلية تجمع بين التأطير النظري والورشات التطبيقية، مرفوقة بتمارين ميدانية داخل استوديوهات التصوير والاذاعة، حتى يتمكن القضاة من محاكاة الواقع كما يعيشه الصحافيون يوميا. البرنامج يلامس جوهر العمل الاعلامي من كتابة وتصميم رسائل موجزة، الى مهارات التحدث امام الكاميرا، مرورا بفنون التعامل مع الازمات الاتصالية التي تفرضها التحولات السريعة للفضاء الرقمي. كما شهد اليوم الاول توقيع ملحق اتفاقية شراكة بين رئاسة النيابة العامة والمعهد، خطوة تعزز التعاون في التكوين والبحث وتنظيم التظاهرات المتخصصة.
هذه المبادرات ليست منعزلة عن المناخ العام الذي يطالب بمزيد من الوضوح في التواصل العمومي، بعدما صارت المعلومة الدقيقة شرطا لاستقرار الرأي العام وتحصين المجتمع من فوضى الاشاعات. وفي زمن تتسابق فيه المنصات على جذب انتباه المواطن، يبقى صوت المؤسسات مطالبا بان يكون واضحا ومسؤولا، قادرا على تقديم الحقيقة دون تهويل، ودون ان يكون رهينة لغة رسمية تبتعد عن نبض الانسان.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق