الصحة والمستقبل : في وجدة يلتقي العلم بروح المسؤولية..
في وجدة، لم يكن الاربعاء يوما عاديا داخل كلية الطب والصيدلة، بل كان موعدا مع فعل معرفي ينبض بروح المستقبل، حيث انطلقت اشغال الدورة الاولى للمؤتمر الدولي متعدد التخصصات في علوم الصحة تحت شعار يبدو اقرب الى بيان انسان جديد: الصحة والمستقبل ملتقى الخبرات والابتكار..
انه حدث علمي انيق في فكرته، محكم في تنظيمه، جمع خبراء من المغرب ومن ضفاف اخرى، من فرنسا والكونغو وكوت ديفوار وغيرها، ليفتحوا دائرة النقاش حول ما صار يشبه معادلة عالمية تحتاج الى حكمة وجرأة ورؤية.
منصة المؤتمر كانت مختبرا يلتقي فيه شمال وجنوب، وتجتمع فيه العقول لمعالجة اسئلة الصحة في زمن تتسارع فيه التحولات بشكل غير مسبوق. فالامراض المزمنة تتكاثر، والشيخوخة السكانية تتمدد، والازمات الصحية العالمية تكاد تصبح لغة كونية، بينما يتغير العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي بسرعة تفوق الخيال. كل ذلك وضع الانسان امام تحد جديد: كيف يعيد ترتيب منظومات العلاج والحكامة ويجعل الصحة مشروعا انسانيا لا مجرد خدمة تقنية.
الكلمات الافتتاحية لهذا المؤتمر اعادت تركيب الصورة من جذورها: صحة المستقبل لم تعد شأنا طبيا صرفا، بل هي تقاطع نادر بين الطب والتمريض والقانون والاقتصاد والهندسة والعلوم الاجتماعية والتكنولوجيات الحديثة. رؤية متكاملة يتطلبها زمن لا يكفي فيه التخصص الواحد لفهم تعقيدات الجسد والادارة والمجتمع معا.
وكان لافتا ان الخطاب المغربي في هذا السياق اتخذ موقعه بثقة وواقعية. فالإصلاحات التي تعرفها المنظومة الصحية منذ سنة 2022، من تعميم التغطية الصحية الشاملة الى احداث المجموعات الصحية الترابية، الى رقمنة الخدمات الصحية وتعزيز الحكامة، كلها خطوات تعكس وضوح رؤية تتقدم بثبات في ظل توجيهات ملكية تسعى لاعادة بناء نظام صحي اكثر عدلا وشمولية ومرونة. اصلاحات عميقة تحتاج الى يقظة علمية ومواكبة فكرية واشتغال جماعي حتى تثمر اثرا ملموسا في حياة المواطنين.
ولذلك بدا المؤتمر منصة ضرورية لاعادة التفكير في ما ينتظر المغرب وإفريقيا والعالم من تحديات صحية، من الانتقال الجديد في منظومات العلاج الى ازدهار الصحة المتصلة، ومن اشكاليات القانون والاقتصاد والمجتمع الى مستقبل الابتكار الطبي والصحة الرقمية. مقاربة مندمجة لا تبحث عن حل سريع، بل عن بناء نموذج صحي يليق بانسان الغد: اكثر انسانية، اكثر انصافا، اكثر فاعلية، واكثر قدرة على مواجهة ما بعد الاسئلة التقليدية.
لقد جاء هذا الحدث ليذكرنا بان الصحة ليست قطاعا تقنيا فحسب، بل مرآة تعكس مدى وعينا الجماعي، وقدرتنا على التخطيط النبيل، وعلى تحويل العلم الى خدمة انسانية اخلاقية، لا الى رصيد ارقامي او سباق مادي. فالمستقبل لن تصنعه التقنيات وحدها، بل تصنعه نية صادقة في بناء سياسات عادلة، وتعاون حقيقي بين مراكز المعرفة، وتوجيه يضع الانسان في مركز القرار.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”



إرسال التعليق