المنتدى الدولي حول الرياضة: الرياضة يجب ان تصنع المواطن قبل البطل
لم يعد الحديث عن الرياضة في المغرب حديث منصات وتتويج فقط، ولا سباق ميداليات عابر، بل صار اشبه بورشة وطنية كبرى تتقاطع فيها التربية بالاقتصاد، والاخلاق بالسياسة العمومية، والامل بالفعل الملموس. في هذا السياق، جاء صوت فيصل العرايشي، رئيس اللجنة الوطنية الاولمبية المغربية، هادئا في نبرته، عميقا في دلالته، وهو يؤكد من الرباط ان بناء نخبة رياضية قوية كأنه بناء شجرة باسقة، لا تستقيم اغصانها ان لم تتجذر في تربة الممارسة الواسعة، والتكوين المستمر، والحكامة الرشيدة، مع وضع الرياضي في قلب المنظومة لا في هامشها.
كان حديثه اشبه بمرآة تعكس واقعا يعرفه الجميع ويتغاضى عنه البعض، واقع مفاده ان النخبة لا تولد فجاة، وان البطل لا يصنعه الحظ ولا الصدفة، بل تصنعه مدارس، واطر، ومدربون، ومسيرون متطوعون، وثقافة يومية تحترم العمل وتقدس الانضباط. لذلك شدد على ان تكوين الاطر داخل الاندية والعصب والجامعات هو العمود الفقري لاي مشروع رياضي جاد يريد ان ينتقل من منطق التدبير الموسمي الى منطق البناء الاستراتيجي.
ولم يقف التصور عند حدود الشعارات، بل انفتح على افق العلم والتكنولوجيا، حيث كشف عن مشروع مختبر يعتمد الذكاء الاصطناعي والمعطيات الرقمية الدقيقة لمواكبة الرياضيين ذوي المستوى العالي بشكل يومي. كان الامر اشبه بنقلة نوعية تنقل الرياضي من العناية الظرفية الى المتابعة الشاملة، حيث تتقاطع تفاصيل التدريب مع نمط العيش، والاداء البدني مع الاستعداد النفسي، وفق نماذج عالمية معمول بها في القوى الرياضية الكبرى.
وفي الاتجاه ذاته، اشار الى العمل على احداث مركز وطني جديد لتاهيل النخبة الرياضية، في اعتراف صريح بان عددا من الجامعات الرياضية ما زال يفتقر الى بنيات تحتية متخصصة قادرة على صناعة ابطال المستقبل طيلة السنة. اعتراف لا يجلد الذات، بل يضع الاصبع على الجرح من اجل علاجه، لا من اجل التعايش معه.
غير ان ما منح هذا الخطاب ثقله الحقيقي لم يكن فقط بعده التقني، بل بعده الاخلاقي والتربوي. فقد بدا واضحا ان الرهان الاكبر ليس في عدد الالقاب، بل في نوعية الانسان الذي تصنعه الرياضة. تكوين شاب يمارس الرياضة بشكل سليم كأنه غرس لبذرة مواطنة صالحة، تحترم القانون، وتؤمن بالعمل الجماعي، وتنتصر للقيم الايجابية داخل المجتمع.
هذا النقاش جاء في اطار المنتدى الدولي حول الرياضة الذي نظمه مجلس النواب تحت الرعاية السامية ل الملك محمد السادس، ضمن تقييم الاستراتيجية الوطنية للرياضة، وفتح فضاء واسعا للحوار بين الحكومة والبرلمان والخبراء والفاعلين، حول الحكامة والتمويل والتكوين والاعلام، لان الجميع مدعو اليوم الى اعادة التفكير في الرياضة كرافعة للتنمية البشرية والاندماج الاجتماعي والاقتصادي، لا كترف ثانوي.
• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق