بين نور السيرة وخطة الفعل: مسابقة «الشفا» تُضيء درب الشباب بجهة فاس مكناس

بين نور السيرة وخطة الفعل: مسابقة «الشفا» تُضيء درب الشباب بجهة فاس مكناس

في زمنٍ تزدحم فيه الأصوات وتغيب فيه المعاني خلف زحام اليوميات، ينهض المجلس العلمي الجهوي لجهة فاس-مكناس بخطوةٍ تُعيد البوصلة إلى مركزها: الروح.
ففي مبادرةٍ تُزاوج بين الفكر والدين، بين الوعي والعمل، أعلن المجلس عن تنظيم مسابقةٍ جهويةٍ في القسم الثاني من كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للإمام القاضي عياض، إحياءً للذكرى النبوية الشريفة، واستجابةً لتوجيهات الرسالة الملكية السامية التي وجّهها أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بشأن تخليد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.

هذه المبادرة  تسعى إلى إشراك الشباب في مشروع وطني يُعيد للسيرة النبوية مكانها في قلوب الأجيال، لا باعتبارها تاريخًا يُروى، بل منهجًا يُعاش.
إنها محاولةٌ ذكية لإحياء العلاقة بين الإنسان والقدوة، بين طالب العلم ومعلّم الإنسانية، بين المغرب ومكانته التاريخية في صون الهوية الإسلامية.

تأتي المسابقة موجهة إلى طلبة الكليات والمعاهد العليا في جهة فاس-مكناس، ليتنافسوا في استيعاب مضامين كتابٍ عظيمٍ لم يزل صداه حيًا عبر القرون: كتاب «الشفا»، الذي قال فيه العلماء: «لولا الشفا لما عرف المصطفى».
فقد ألّفه القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي (476–544هـ)، أحد كبار علماء المغرب والأندلس، جامعًا فيه بين سطوة البرهان وجمال البيان، محدّثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم بلسان المحبة والعقل معًا، ليغدو هذا العمل تاجًا على رأس الأدب النبوي ومرجعًا خالدًا في فهم شمائل الحبيب وأخلاقه وسيرته.

ومن رحم هذا التراث، تنبثق رؤية المجلس العلمي الجهوي، التي تسعى إلى تحصين الوعي الديني لدى الشباب، وإشراكهم في حفظ السيرة بوعيٍ نقديٍ رصين، يُوازن بين الأصالة والانفتاح. فليس المقصود من المسابقة اختبار الحفظ، بل اختبار الفهم؛ ليس الغاية نيل الجوائز، بل بلوغ المعاني.
لذلك، فباب التسجيل مفتوح  عبر المجالس العلمية المحلية، مع تيسير سبل التواصل لكل راغب في المشاركة أو الاستفسار.

وتُمثل هذه المبادرة استثمارًا في رأس المال الرمزي والثقافي للمغرب، فهي تحوّل المعرفة إلى ممارسة، والدين إلى فعلٍ حضاري، والشباب إلى ركيزةٍ في التنمية القيمية.
فالمغرب، بما يحمله من إرثٍ علميٍ عريق، ظلّ نموذجًا في الموازنة بين الروح والعقل، بين الولاء للمقدّس والانفتاح على الإنسان، وهو ما تؤكده هذه الخطوة التي تجمع بين التعليم والدين والثقافة.

وإذا تأملنا عمق المشروع، نلمح أن إشراك الشباب في مسابقةٍ من هذا النوع ليس نشاطًا موسميًا، بل رهانًا استراتيجيًا طويل الأمد. فكل مشاركٍ يقرأ «الشفا» إنما يُعيد اكتشاف ذاته من خلال سيرة نبيٍ عاش ليُربّي الإنسان قبل أن يُغيّر العالم.
إنه استثمار في بناء الوعي، في زمنٍ يغلب فيه التلهّي على التأمل، والمعلومة السريعة على المعرفة العميقة.

على أن نجاح هذه المبادرة لا يُقاس بعدد المشاركين وحده، بل بجودة التفاعل، وعمق التأثير، واستمرارية الأثر بعد الحدث.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف نجعل من هذه المبادرة نواةً لمشاريع ثقافيةٍ متواصلة؟ كيف تتحوّل المسابقة إلى ثقافة، والقراءة إلى سلوك، والحب إلى منهج حياة؟
إنه سؤال يمتدّ إلى صُنّاع القرار الثقافي، والمؤسسات التعليمية، والإعلام الوطني، كي يُسهم كل طرف في جعل الروح النبوية رافعةً للتربية والإصلاح.

وما أحوجنا اليوم إلى هذا النمط من الفعل المتزن، الذي يُعيد إلى الدين عمقه الإنساني، وإلى التعليم جوهره القيمي.
فالمجتمع الذي يُهذّب وجدانه بالمعرفة، ويغذي عقله بالقيم، هو وحده القادر على مواجهة تحديات العصر من غير أن يفقد روحه.

وفي ختام هذا النور، يبقى السؤال مفتوحًا لا يُغلق:
هل نريد أن تبقى الذكرى النبوية مجرد تقويم يُقلب في المناسبات، أم نريدها حياة تسري في السلوك والممارسة؟
هل نقرأ «الشفا» لنحفظ النصوص، أم لنستعيد توازن الإنسان فينا؟
إن النجاح، في جوهره، ليس غاية تُرفع فوق المنابر، بل وسيلةٌ لبناء مغربٍ جديدٍ يجمع بين الوعي والمسؤولية، بين الإيمان والعمل، بين العزيمة والأخلاق.

فلتكن هذه المسابقة خطوةً في مسارٍ طويلٍ نحو مغربٍ يتآزر فيه القلب والعقل، ويُضاء فيه المستقبل بسراج الهدي النبوي، حتى لا تظل السيرة ذكرى تُروى، بل روحًا تُحيي الأمة كل يوم.

الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”

annachir.com

chabab.presse@gmail.com

WhatsApp :0661835959

إرسال التعليق

You May Have Missed