تاونات: السيرة النبوية تعود الى الواجهة لبناء وعي تبليغي اكثر رسوخا واتزانا
احتضن المسجد الكبير بقرية ابا محمد باقليم تاونات لقاء تكوينيا وتاطيريا موسعا لفائدة نحو 300 امام وخطيب، في مبادرة تروم تعزيز كفايات التبليغ الديني واستلهام الدروس العملية من السيرة النبوية في معالجة قضايا التدين المعاصر وتوجيهه نحو مزيد من الرشد والتوازن.
وياتي هذا اللقاء في سياق الجهود المتواصلة الرامية الى تنزيل التوجيهات السامية الواردة في الرسالة الملكية التي وجهها امير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس الى علماء الامة بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهي رسالة اكدت على ضرورة استحضار المقاصد الكبرى للسيرة النبوية وجعلها منطلقا لترسيخ القيم الاخلاقية والروحية التي يحتاجها المجتمع في مختلف مراحله وتحدياته.
اللقاء الذي نظمه المجلس العلمي المحلي باقليم تاونات بتنسيق مع المندوبية الاقليمية للشؤون الاسلامية عرف حضورا مكثفا لائمة وخطباء الجماعات التابعة لدائرة قرية ابا محمد، وهو ما يعكس المكانة المركزية التي تحتلها المؤسسة الدينية في مواكبة التحولات المجتمعية والاسهام في بناء وعي ديني مستنير يستند الى العلم والحكمة وحسن الفهم.
وقد افتتحت اشغال هذا الموعد التكويني بتلاوة ايات بينات من الذكر الحكيم، قبل ان يقدم رئيس المجلس العلمي المحلي كلمة ابرز فيها اهمية الاستثمار في التكوين المستمر للائمة والخطباء باعتبارهم فاعلين اساسيين في توجيه الراي العام الديني وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال داخل المجتمع.
وتوزعت محاور اللقاء بين مقاربات متعددة استمدت جميعها مادتها من السيرة النبوية باعتبارها مدرسة متكاملة في التربية والتواصل والتوجيه. فقد تناولت المداخلة الاولى مكانة السيرة باعتبارها مرجعا للقيم والاخلاق ومنهلا لتكوين الشخصية المتوازنة، فيما سلطت المداخلة الثانية الضوء على المنهج العقلي الذي اعتمده الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مخاطبة الناس واقناعهم، وهو منهج يقوم على الحكمة والحجة والاقناع بدل التسرع والانفعال. اما المداخلة الثالثة فقد توقفت عند نماذج وقضايا تبليغية من السيرة النبوية تكشف عمق الرؤية النبوية في التعامل مع الناس بمختلف طبائعهم ومستوياتهم الفكرية والاجتماعية.
و بدا اللقاء اشبه بورشة فكرية تستحضر الحاجة المتزايدة الى خطاب ديني قادر على مخاطبة الواقع بلغة العصر دون ان يفقد صلته بالثوابت والمرجعيات الاصيلة. فالسيرة النبوية ظلت عبر الاجيال خزانا غنيا بالدروس العملية في القيادة والتواصل وبناء الانسان وتدبير الاختلاف وصناعة الامل.
كما شكلت المناقشة العامة التي اعقبت العروض العلمية فرصة لتبادل الرؤى والتجارب بين المشاركين، وفسح المجال امام اثارة عدد من القضايا المرتبطة بالعمل التبليغي وتحدياته الراهنة، في ظل التحولات الرقمية والثقافية التي تفرض على الفاعلين الدينيين تطوير ادواتهم المعرفية والتواصلية باستمرار.
واختتم اللقاء بالدعاء الصالح لامير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، سائلين الله تعالى ان يحفظه ويديم عليه نعمة الصحة والعافية، وان يوفق جهود العلماء والائمة وكل العاملين في الحقل الديني لما فيه خير البلاد والعباد.
الموعد التكويني هذا يؤكد مرة اخرى ان العناية بالسيرة النبوية هي استثمار في المستقبل ايضا، لان الامم التي تحسن قراءة نماذجها الملهمة وتستخرج منها معاني الحكمة والبناء تكون اقدر على مواجهة التحديات وصناعة مسارات اكثر وعيا واتزانا وانفتاحا.
• الناشر


إرسال التعليق