من قلب عين الشقف.. مشروع لوجيستيكي جديد يرسم ملامح مرحلة اقتصادية مختلفة ..

من قلب عين الشقف.. مشروع لوجيستيكي جديد يرسم ملامح مرحلة اقتصادية مختلفة ..

لم تعد الطرق والمناطق الصناعية وحدها كافية لصناعة التحول الاقتصادي، بل باتت اللوجيستيك اليوم واحدة من اكثر الادوات حسما في تحديد قدرة المجالات الترابية على جذب الاستثمار وخلق الثروة وتحريك عجلة الانتاج. ومن هذا المنطلق جاء الاعلان عن انطلاق اشغال المنطقة اللوجيستيكية بعين الشقف، في خطوة تحمل ابعادا تتجاوز حدود مشروع بنية تحتية تقليدي لتلامس رهانات اعمق تتعلق بموقع جهة فاس مكناس داخل الخريطة الاقتصادية الوطنية خلال السنوات المقبلة.

ففي جماعة عين الشقف التابعة لاقليم مولاي يعقوب، اعطيت يوم الاربعاء 8 يوليوز 2026 الانطلاقة الرسمية لاشغال هذا المشروع الاستراتيجي بحضور وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح وعدد من المسؤولين والمنتخبين والفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين، في مشهد يعكس حجم الرهان المعقود على هذا الورش الذي ينظر اليه باعتباره حلقة جديدة ضمن مسلسل تحديث البنيات الاقتصادية وتعزيز جاذبية الاستثمار بالجهة.

ويتعلق الامر بمكون اساسي من مكونات الاقتصاد الحديث الذي يقوم على سرعة التدفق وفعالية التوزيع وتقليص الكلفة وتحسين سلاسل الامداد. فكلما كانت البضائع تصل في الوقت المناسب وباقل تكلفة، ازدادت قدرة المقاولات على المنافسة وارتفعت فرص استقطاب المستثمرين الباحثين عن بيئة اقتصادية فعالة ومهيكلة.

ويمتد الشطر الاول من المشروع على مساحة تناهز 32 هكتارا بمنطقة راس الماء، باستثمار يقدر بحوالي 275 مليون درهم، فيما حددت مدة انجازه في 18 شهرا على ان يدخل مرحلة الاستغلال ابتداء من سنة 2027. كما يضم المشروع مستودعات عصرية مجهزة وفق المعايير الحديثة، وفضاءات للتخزين المبرد، ومرافق متكاملة موجهة لخدمات النقل واللوجيستيك، وهي مكونات تعكس التحول الذي تعرفه السياسات العمومية في مجال تدبير حركة السلع والبضائع وربط الانتاج بالاسواق الوطنية والدولية.

وتبرز اهمية هذا الورش كذلك في كونه ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية الى تقليص الكلفة اللوجيستيكية التي ما تزال تشكل احد التحديات امام تنافسية عدد من القطاعات الاقتصادية. وتشير تقارير وطنية ودولية متخصصة الى ان تحسين الاداء اللوجيستيكي يعد من بين العوامل الرئيسية في رفع جاذبية الاستثمار وتسريع النمو الاقتصادي، لما يوفره من مرونة اكبر للمقاولات وقدرة افضل على الوصول الى الاسواق.

ومن المنتظر ان يساهم المشروع في تنظيم تدفقات البضائع بشكل اكثر نجاعة، وتطوير خدمات النقل والتوزيع والتخزين، وخلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، فضلا عن تعزيز مكانة اقليم مولاي يعقوب كفضاء اقتصادي قادر على احتضان استثمارات جديدة والاستفادة من الدينامية التنموية التي تعرفها جهة فاس مكناس في عدد من المجالات.

كما يحمل اختيار عين الشقف لاحتضان هذا المشروع دلالات تتجاوز البعد الجغرافي، اذ يعكس التحول التدريجي الذي تعرفه بعض المجالات المجاورة للعاصمة العلمية للمملكة نحو ادوار اقتصادية اكثر حضورا في المشهد الجهوي. فالموقع الاستراتيجي للجماعة، وقربها من المحاور الطرقية الكبرى، يجعلان منها نقطة التقاء طبيعية بين الانتاج والتوزيع والاستثمار، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام بها كمجال مؤهل لاستقبال مشاريع مهيكلة ذات اثر اقتصادي واسع.

وبين الارقام المعلنة والانتظارات المعلقة على هذا الورش، يبدو ان الرهان الحقيقي لن يقاس فقط بحجم الاستثمار او مساحة المشروع، بل بقدرته على تحويل الامكانات المتاحة الى قيمة اقتصادية مضافة تلامس واقع المقاولات وفرص الشغل والتنمية المحلية. وعندما تدخل هذه المنطقة اللوجيستيكية حيز الاستغلال خلال السنوات القليلة المقبلة، سيكون امام جهة فاس مكناس موعد جديد لاختبار قدرتها على تحويل موقعها الاستراتيجي ومؤهلاتها البشرية والاقتصادية الى قوة تنموية قادرة على صناعة المستقبل.

• الناشر

إرسال التعليق