شباب الدار البيضاء سطات.. حين تصبح الثقافة جسرا نحو مغرب يليق بطموح ابنائه..
في قلب بوزنيقة، وفي لحظة تشبه فتح نافذة واسعة على اسئلة المستقبل، كشفت دراسة ميدانية حديثة ان ازيد من تسعين بالمائة من شباب جهة الدار البيضاء سطات يرون في الثقافة رافعة اساسية للتنمية الشخصية والجهوية. رقم لافت ليس لفرط ارتفاعه فقط، بل لكونه يعيد توجيه البوصلة نحو ما يغفل عنه التخطيط احيانا ان الثقافة ليست ترفا، بل حاجة وجودية تسبق الازدهار وترافقه وتمنحه معناه.
وقد قدم ادريس الكراوي، رئيس جمعية الدراسات والابحاث من اجل التنمية، خلاصات هذا العمل الذي سعى الى فهم ممارسات الشباب وتصوراتهم وتطلعاتهم في المجال الثقافي. وما برز من شهادات المستجوبين لم يكن رغبة في الحضور داخل الفضاءات الفنية، بل ارادة للمشاركة الفعلية في صياغة الدينامية الثقافية في الجهة. شباب يريد ان يكون فاعلا لا متفرجا، صانعا للحدث لا مستهلكا عابرا.
وتشير الدراسة الى ان هؤلاء الشباب يطالبون اليوم بتطوير البنيات التحتية الثقافية، ودعم المبادرات الفنية، والارتقاء بالتكوين في مهن الثقافة، ضمن رؤية مندمجة تجمع المحلي بالجهوي والوطني. كما يظهر استعدادهم لخوض غمار الابداع وريادة الاعمال الثقافية، عبر تأسيس الجمعيات واطلاق الحملات وتنفيذ المشاريع المبتكرة. انه الوعي الجديد الذي يربط بين الثقافة والادماج الاجتماعي والتربوي والمواطنة الفاعلة.
ومع ذلك، ما تزال مشاركة الشباب في صياغة السياسات الثقافية دون المستوى المأمول، كما اشارت رقية اشمال، نائبة رئيس مجلس الجهة. ورغم قوة الشباب الديمغرافية وقدرتهم الابداعية، الا ان صوتهم ما يزال خافتا في فضاء القرار. وهو مفارقة تتصادم مع طموحات اقتصاد يشكل اليوم محركا استراتيجيا للابتكار وخلق القيمة في اقتصادات العالم. فالدول التي تستثمر في التعليم والتمويل والتشريعات الثقافية لا تكتفي برفع مؤشرات الانتاج، بل تبني بيئة صديقة للخيال، حاضنة لافكار تصنع فرص الشغل وتدفع بعجلة التقدم.
لقد جمع اللقاء بين باحثين وطلبة وجامعات ومؤسسات، وتقاطعت الاراء كلها عند حقيقة واحدة: الشباب شريك كامل في صياغة مغرب الغد. وبقدر ما تمنحه الثقافة من مساحة للتعبير والابداع، تمنحه ايضا احساسا اعمق بالانتماء والمسؤولية. فالثقافة ليست نشاطا جانبيا، بل هي حجر اساس في بناء الانسان، وتحصينه ضد التفاهة والضوضاء واغراءات الاستسلام.
وهنا تبرز الاسئلة النبيلة التي يجب ان تواجهنا جميعا: كيف نفتح للشباب مساحات اوسع للتعبير والمبادرة؟ كيف نجعل المعرفة قيمة يومية، والوعي سلاحا لا يخفت لمعانه؟ وكيف نجعل من الثقافة جسرا نحو مغرب يحقق التوازن بين النجاح المادي والنجاح المعنوي، بين الطموح الفردي والغاية الجماعية، بين الحلم والواجب؟
ان المستقبل لا يكتب بالنيات وحدها، بل بالعمل الصادق الذي ينطلق من رؤية انسانية، ويستند الى قيم اخلاقية، ويؤمن بان مشاريع التنمية ليست حسابات رقمية فقط، بل ارواح تتقاطع في مشروع وطني مشترك. وحين تتآزر ارادة الشباب مع حكمة التخطيط، يصبح النجاح وسيلة للخير الشامل، لا غاية تقف عند حدود المصلحة الفردية.
لذلك، يبقى الوعي والمعرفة والقيم هي مفاتيح الطريق الى مغرب لا يعيش في منطقة رمادية بين الممكن والمأمول، بل يسير بخطى ثابتة نحو مستقبل يصنعه ابناؤه بصدق القصد وحسن النية ونقاء الرؤية. فهل نملك الشجاعة لنمنح الشباب المكانة التي يستحقونها؟ وهل نمتلك الحكمة لنربط بين الابداع والمسؤولية، وبين الحرية والبناء، وبين الثقافة والتنمية؟
الجواب يبدأ من هنا، من سؤال بسيط يحمل ثقلا كبيرا: كيف نصنع مغربا يليق بمواطنيه، ويمنح شبابه فرصة ان يكونوا جزءا من صناعة الغد، لا شهودا على بطء الزمن؟
• الناشر .. “عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق