عندما يتحوّل المعرض إلى رسالة… فاس تكتب فصلاً جديداً في قصة الاقتصاد الاجتماعي
في زمن تُبتلع فيه الهويات تحت عجلة السوق، ويُستبدل فيه الإبداع بالاستيراد، واليد بالآلة، يُطلُّ من فاس صوتٌ دافئٌ… لا يُنادي، بل يُبدع.
معرض لا يريد أن يبيع فقط، بل يُقنع أن النجاح لا يُستورد، وأن المرأة ليست مجرد عنصر في المعادلة، بل جوهرها.
هنا، في أروقة المعرض الجهوي للتعاونيات المبدعة، لا تُعرض منتجات فقط، بل تُعرض قصص، ذاكرات، وحِرفٌ تنبض بالحياة.
المعنى الذي يسكن المعرض
النسخة الثانية من المعرض الجهوي للتعاونيات المبدعة، المنعقدة بفاس من 3 إلى 10 يوليوز، ليست مناسبة اقتصادية عابرة.
إنه مشروع إنساني، اجتماعي، واستراتيجي، تمشي فيه الجهات الرسمية على درب الرؤية الملكية، بخُطى يشاركها فيها صانعو الحياة اليومية: الحرفيون، النساء، الشباب، والتعاونيات التي تحوّل التراب إلى ذهب، والذاكرة إلى دخل، والإبداع إلى اقتصاد.
100 تعاونية من داخل الجهة وخارجها، 50 رواقا تحكي تنوع المغرب وغناه. من التوابل إلى النقش على الذهب، من السلال اليدوية إلى الزيوت الطبيعية، المعرض يُقدّم المغرب كما هو: غنيٌّ، أنيقٌ، متجذرٌ، متجدد.
حين يَصير الإبداع استراتيجية… لا ترفاً
أكد رئيس جهة فاس – مكناس، السيد عبد الواحد الأنصاري، أن المجلس لا يتعامل مع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كمجال هامشي، بل كركيزة في قلب الرؤية التنموية.
ليس هذا مجرد تمويل أو رعاية. بل إدماج عميق في برامج التنمية الجهوية، دعم للبنية التحتية، وحاضنات جامعية لاحتضان المقاولات الشبابية، ومبادرات لتسويق المنتوجات داخل أسواق متنقلة ومهرجانات نوعية.
وبين سطور هذه التصريحات، يظهر بجلاء: الإبداع هنا ليس شعارا جميلا في أعلى اللافتات، بل جواب واقعي على سؤال العدالة الاقتصادية، وتمكين النساء، وخلق فرص الشغل، واستعادة الكرامة عبر العمل.
المرأة الحرفية… مرآةُ الذاكرة وهوية الجهة
في كلمتها الهادئة والقوية، لامست خديجة حجوبي، نائبة رئيس مجلس الجهة، جوهر المسألة: المرأة الحرفية ليست مجرد عاملة أو مستفيدة من برنامج، بل حارسة للذاكرة الجماعية.
هي التي تُطرّز التاريخ، وتنسج الزربية التي خبأت حكايات الجدات، وتضع على النحاس بصمة العائلة.
من الزليج إلى الطرز إلى العطور الطبيعية…
نساء يصنعن من الحرفة رسالة، ومن التراث مشروع حياة. هؤلاء لسن رموزا فقط، بل استثمارات بشرية تُعيد تشكيل الخارطة التنموية بروح أنثوية متقنة.
ليس فقط عرض منتوج… بل عرض وعي
النجاح ليس في عدد الزوار، بل في نوعية الرسالة.
فالمعرض يقدم نموذجا لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد المحلي: مبني على الجذور، منفتح على التجديد، محافظ على القيم، ومندمج في العصر الرقمي والبيئي.
المعرض منصة، لكنه أيضا مرآة. مرآة نرى فيها موقع المرأة، قيمة المنتج المحلي، مكانة الإبداع، وتحديات التسويق، وضعف التأطير، وربما ضعف الإيمان بأن “ما نصنعه بأيدينا” قد يُدهش العالم… لو آمنّا به.
حين تُصبح المعارض مرافعات أخلاقية
في حضرة هذه التظاهرات الاقتصادية المبدعة، يُصبح الصمت خيانة، والتقارير الجافة قصورًا، والمجاملة طمسًا للحقائق.
نحن أمام مشروع لا يحتاج إلى طبل، بل إلى نبض.
لا يحتاج إلى تلميع، بل إلى من يُرافقه بالصدق، ويُدرك أن المرأة التي تضع وردة على منديل من الطرز، تزرع في الوقت نفسه كرامة في نسيج المجتمع.
فهل يُدرك الفاعلون في باقي الجهات، أن المعرض ليس مناسبة؟ بل ممارسة؟
وهل آن لنا أن نعيد تعريف “التنمية” بعيدًا عن لغة الميزانيات فقط؟
وهل يحق لنا أن نُفرّط في كنوز كهذه، حين تُبدع فاسُنا من الداخل؟
لعلّنا نكتب هذا اليوم لأجل قارئٍ لم يزر المعرض بعد، لكنه سيشعر وهو يقرأ… أنه كان هناك.
يرى الألوان، يشمّ الروائح، ويسمع صوت النساء وهنّ يطرزن وجودهنّ بحرفية، وكرامة.
فالكلمة، حين تكون أمينة، تُعيد تشكيل الواقع… أو على الأقل، تُلزم قارئها بالسؤال.
والسؤال هو بداية كل وعي.
وفي الاخير نقول تحية إبداع لكل من غزل بإبرة الأمل، خريطة اقتصادية تُشبهنا… وتليق بنا.
• الناشر


إرسال التعليق