فاس تراهن على الاخضرار والتنمية المستدامة لتتحول القرارات المحلية الى رؤية مدينة تتنفس المستقبل

فاس تراهن على الاخضرار والتنمية المستدامة لتتحول القرارات المحلية الى رؤية مدينة تتنفس المستقبل

في لحظة تبدو عادية في برامج المجالس المنتخبة، لكنها تحمل في عمقها دلالات ابعد من  تصويت اجرائي، فقد صادق مجلس جماعة فاس خلال دورته العادية لشهر فبراير على احداث شركة التنمية المحلية فاس مدينة خضراء، خطوة تضع المدينة العريقة امام اختبار جديد في علاقتها بالبيئة وبجودة الحياة وبقدرتها على تحويل الاختيارات السياسية الى اثر ملموس في الفضاء العام.

القرار، في جوهره، هو اعلان ضمني عن توجه يروم اعادة الاعتبار للمساحات الخضراء والمنتزهات والحزام الاخضر والغابات، باعتبارها مكونا اساسيا في التخطيط الحضري  كبنيات حيوية لها علاقة مباشرة بصحة الساكنة وتوازن المدينة البيئي وقدرتها على الصمود امام التحولات المناخية.

شركة فاس مدينة خضراء، بمساهمة جماعة فاس وعدد من الجماعات المجاورة، توكل لها مهام تتجاوز الصيانة التقنية الى تدبير شامل لمجال ظل لسنوات عرضة للتهميش وسوء التدبير. وهو رهان يضع المنتخبين والفاعلين المحليين امام مسؤولية ثقيلة، مفادها ان النجاح  يقاس  بما ستحدثه هذه الشركة من فرق في حياة المواطنين وفي صورة المدينة.

وفي السياق نفسه، جاءت المصادقة على برمجة الفائض الحقيقي برسم سنة 2025، والذي بلغ 170 مليون درهم، لتؤكد توجها نحو توظيف الموارد المالية في مشاريع ذات طابع بنيوي، سواء عبر المساهمة في شركة التنمية المحلية او دعم شركة فاس الجهة للتهيئة، او تجهيز مركب الحرية بالمعدات التقنية، بما يعكس محاولة اعادة ترتيب الاولويات وربط المال العمومي بمردودية اجتماعية ومجالية واضحة.

وامتدت  اشغال الدورة على الجانب البيئي والعمراني،  الى ملفات لا تقل حساسية، من قبيل تهيئة المقابر والمساحات الخضراء والمنشآت الرياضية، وتنظيم بعض الجوانب التدبيرية المرتبطة بالنقل الحضري، وبيع المحجوزات المتقادمة، وتفويت قطع ارضية لفائدة مؤسسات عمومية، وهي كلها قرارات تعكس اشتغالا على تفاصيل قد تبدو تقنية لكنها تمس بشكل مباشر السير العادي للمدينة.

الشق الاجتماعي حضر بدوره من خلال المصادقة على اتفاقيات شراكة لدعم مركب اجتماعي يعنى بالمسنين، في خطوة تحمل بعدا انسانيا يعيد الاعتبار لفئات غالبا ما تظل على هامش السياسات العمومية. كما شملت المصادقة مشاريع صحية تروم تعزيز البنيات التحتية للقرب، وتسهيل ولوج الساكنة للخدمات الصحية الاساسية، في انسجام مع حاجيات مدينة تعرف كثافة سكانية وضغطا متزايدا على مرافقها.

ومن بين النقاط اللافتة في اشغال الدورة، المصادقة على تمويل وانجاز مشروع احداث حديقة نموذجية بشراكة مع مجلس مدينة نيس، وهي مبادرة تنفتح على بعد التعاون الدولي، وتوحي برغبة في الاستفادة من تجارب مدن متوسطية نجحت في المصالحة بين العمران والطبيعة.

يبدو  أن دورة فبراير لمجلس جماعة فاس صارت محملة بقرارات تحاول ان ترسم ملامح مرحلة جديدة، عنوانها تدبير اكثر وعيا بالبيئة، وانحياز معلن للخدمات الاجتماعية، وسعي نحو عقلنة صرف المال العام. غير ان الرهان الحقيقي سيظل معلقا على القدرة على التنزيل، وعلى تحويل هذه الاختيارات من محاضر رسمية الى واقع يلمسه المواطن في شوارع مدينته وحدائقها ومرافقها، حيث هناك فقط تختبر صدقية القرار وقيمة الرؤية.

* الناشر  ” عندنا..للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق

You May Have Missed