فاس: “تريبورتور السيدة بشرى..” مركبة شرف، لا وسيلة نقل فحسب..!!

فاس: “تريبورتور السيدة بشرى..” مركبة شرف، لا وسيلة نقل فحسب..!!

في هذا العالم المزدحم بالحسابات الباردة والنهايات المصلحية، ما زال هناك دفء لا يُقاس بحرارة الجسد، بل بحرارة القلب. هناك أمهات، أو قل جذوراً لأرضية متشبثة بالسماوات، يُنبتن الكرامة في صقيع الحياة. واحدة منهن، امرأة من فاس، تُدعى “بشرى”، صنعت من الصبر حبلاً تشدّ به خيمة الحياة لأبنائها، بعد أن غادرهم الوالد وتركهم في رعاية الله، مع أمّ لم تُولد من ضعف.

– بشرى… أم بحجم وطن

لم تُولد السيدة بشرى وفي فمها ملعقة من ذهب، بل وُلدت في حضن الكفاح، وفي جُبة الصبر، وبين يدي رب كريم. رحل عنها الزوج، وترك وراءه صغارًا لا سند لهم إلا من بيده الأمر كله، وأمٌ خُلقت لتكون أكثر من أم.
في مصنع أدوات النسيج، كانت خيوط القماش تتقاطع مع خيوط الهمّ، ومع كل شكة إبرة كانت بشرى تنسج بقاءً كريماً، وتنقش قصة لا تُنسى، فيها من التضحية ما يفوق حدود اللغة، ومن الحياء ما يجعلها تركن “تريبورتورها الكهربائي” بعيداً عن المدرسة، كي لا يخجل صغارها من زحام الحاجة.

– من فاس… قصة تُروى، لا تُكتب فقط

في ثنايا مدينة فاس، المدينة التي تشتبك فيها روح الحضارة برائحة الخبز الدافئ، عاشت بشرى مع أبنائها معركة الشرف. لم تقصد الإعلام، ولا طرقات الشهرة. كل ما أرادته هو أن يُكمل أولادها درب التعليم، ولو في صندوق “تريبورتور” مُكدّس على عتبة الحياء.
أمام مؤسسة “الشهيد محمد الزرقطوني”، تكتمل القصة. هنا لا تدرّس المناهج فقط، بل تُدرّس الحياة. وهنا تسنيم، ابنتي، رأت أم زميلتها في تجلٍّ إنسانيّ، فشعرتُ أن أكتب.. لا عن بشرى فحسب، بل عن كل أم تنسج الصبر في المصانع، وتغزل الحب على بساط التضحية.

خاتمة: ومضة تساؤل.. ومسؤولية إنسانية

إذا كانت كل فتاة بأبيها معجبة، فكيف لا يعجب الأبناء بأمٍّ مثل بشرى؟
إذا كان التاريخ يُكتب بحبر العظماء، فهل نسينا أن أغلب العظماء رضعوا المجد من صدور الأمهات؟
إذا كنا نبحث عن الأبطال.. فلننظر حولنا. بعضهم لا يركلون الكرة و يرفعون الميداليات في الملاعب، بل الملاعق، والمكانس، وأقمشة النسيج في ملاعب الحياة .

سؤال مفتوح للقارئ الكريم:

هل لا تزال ترى في “النجاح” عدد المتابعين و اللايكات؟ أم تُدرك أن هناك نجاحاً يتّخذ هيئة أمٍ تبيت على ألم لتوقظ في غيرها أملاً؟
هل نكتب اليوم فقط لأننا نحسن الكتابة؟ أم لأننا نحمل وجع الوطن، ونُجيد الغضب النبيل على كل من ظلم هؤلاء الأمهات العظيمات؟
نحن لا نُخبركم فحسب… نحن نُشرككم. لأن الخبر عندنا له وجه آخر، وجه إنساني، وجداني، ووطني.
ليس خبراً عن امرأة من فاس فقط… بل عن كل أم تُقاتل بصمت.
عن كل حكاية لا تجد من يحكيها.. فهل تكون أنت صوتها؟
• الناشر

إرسال التعليق

You May Have Missed