ساحةٌ “شباط” المنسية .. بين نُبل الاسم التاريخي وعبث المراهقين..!!

ساحةٌ “شباط” المنسية .. بين نُبل الاسم التاريخي وعبث المراهقين..!!

هل نحتاج إلى تهيئة المكان.. أم إلى ثورة في التربية؟

هنا بالقرب من حي شعبي، ليست كل المعارك تُخاض بالسيوف.. بعضُها تُخاض بالكراسي على الكراسي ..!! وسط ساحة سُمّيت “ساحة 20 غشت” تيمناً بثورة الملك والشعب، فإذا بها تشهد ثورةً مضادّة، بلا قضية ولا مبدأ، يقودها الطيش واللامبالاة!
في قلب حيّ النرجس بفاس، تقف هذه الساحة كأنها لوحةٌ مزّقها الزمن، وعبثت بها أيادٍ لا تفرّق بين اللعب والانحلال، بين الحق في الترفيه، والواجب في الصيانة.

من ذاكرة الجمال إلى واقع الخراب..

كانت ساحةً باذخة التصميم، مداراً واسعاً يتوسّطه زليجٌ يلمع كقصيدة أندلسية، تتوسطه نافورة رشيقة، محاطة بكراسي الغرانيت كأنها عرشٌ للراحة في قلب حي النرجس.. كان ذلك في عهد العمدة حميد شباط، يوم ما كانت فيه الحواضر تحلم أن تلبس هيئة الأناقة الحضرية.
لكن اليوم… كل شيء تغيّر. الكراسي تناثرت على الأرض كأشلاء مقاتلين سقطوا في معركة غير متكافئة، والنافورة تعطّلت، وشبّاكها الحديدي نخره الصدأ وطعنه الإهمال. أما الشجيرات، فبعضها حيّ، والباقي جثث خضراء تموت ببطء، في صمت كأنها تخجل من أن تشتكي.

منبر الفوضى اليومية.. والمشهد المتناقض..

مع كل مساء، يتحول المكان إلى ساحة مهرجان فوضوي: أرجوحات يدوية الحركة واخرى مطاطية هناك وهناك، وبائع حمص يتجول ذهابا وإيابا، ولعبٌ تطير بلا ضوابط، ووجوه صغار تبتسم، فيما أرواح الأمهات تستنجد بكراسي لا وجود لها. جُلبت البدائل الخشبية، لكن الغياب الحقيقي هو غياب الوعي، وغياب الشعور بملكية الفضاء العام.
هل نلوم الشباب الطائش الذين استباحوا الغرانيت؟ أم نلوم غياب التوجيه؟ أم هي فوضى عمرية و إفلاس في القدوة؟

حين يغيب الجمال، يعلو صراخ الخراب..

كل من يزور المكان سيرى مشهداً لا يُنسى: كأن عملاقا قد ضرب الساحة بعصاه، فمات الجمال، وبقي الصخب. ورغم كل شيء، لا تزال الساحة حيّة بأطفالها، وأحلامهم الصغيرة التي تقفز على الأرجوحة وتطير مع الطائرات البلاستيكية. أي مفارقة هذه؟ أن يصرخ المكان ألماً، ويضحك فيه الأطفال في آنٍ معاً!

الحل ليس في الأسمنت فقط، بل في العقول أيضًا..
نعم، نحتاج إلى إعادة تهيئة شاملة، تسترد للساحة اسمها ومكانتها وقيمتها الرمزية المرتبطة بتاريخ المقاومة المغربية. ولكن، هل تنفع التهيئة إن بقيت العقول على حالها؟ إن بقي المراهقون يرون في النافورة وجدرانها خصوماً وفي الكراسي فريسة؟
نحن أمام مفترق طرق: إما نُهَيّئ المكان ليليق باستحقاقات كبرى قادمة مثل كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، أو نعلن ثورة فكرية وتربوية على كل من يكسر الحلم، ويسخر من الجمال، ويغتال حق الوطن في الأناقة.. أنا شخصيا أعتقد هما معا، لكن بوعي ومتابعة ومواكبة لكل إصلاح..

الرسالة إلى القارئ: أنت شريكنا..

عزيزي القارئ، لا نقترح عليك تحسرا على الخراب، بل مشاركة في حملة بيئية توعوية.. هذا المقال كُتب من رحم الغيرة، ومن عينٍ أبصرت الألم خلف الكراسي الجميلة والغالية المكسورة. إننا نبني تحليلاتنا من منطلق وطني، وحق إنساني وجمالي لكل مواطن، ومن حبٍّ لهذه الأرض التي تستحق أن تُصان لا أن تُهان.
نحن هنا، نكتب لأننا نؤمن أن للكلمة النبيلة سيفًا وضميرًا، وندعوك أن تكون معنا حارسًا لهذا الضمير، وسندًا لجمال فاس، ورافعًا لراية الذوق، أينما كنت..
فهل نعيد الاعتبار لساحة سُمّيت باسم ثورة، أم نتركها أسيرة لثورة الطيش؟
وهل نبدأ بالزليج والكراسي والنافورة… أم نبدأ بإعادة هندسة الذائقة التربوية والجمالية لأبنائنا؟ ألسنا مسؤولين، نحن جميعاً مواطنين ومسؤولين، عن إعادة بناء ما تهدّم من الداخل قبل الخارج؟
فلربما كانت القلوب التي كسرت الغرانيت أقسى من الغرانيت نفسه… لكن الكلمة النبيلة تبقى أصلب من كل الخراب، لأنها لا تنهار، بل تبني..فلنحملها معًا… ولنُسمِعها للمدينة.

• الناشر

إرسال التعليق

You May Have Missed