فاس تُجدّد أنفاس مائها… أكثر من 300 مليون درهم لنبض حياة جديدة

فاس تُجدّد أنفاس مائها… أكثر من 300 مليون درهم لنبض حياة جديدة

في مساء يوم الاحتفاء بجيل ثورة الملك والشعب، انطلقت في فاس مبادرة تعانق الأرض بعمق؛ مشروعان متكاملان لا ينظُران إلى الخرسانة فقط، بل إلى روح المدينة وحكاية مائها، لتُعيد تقدير التراث وتمنح المدينة القديمة حُرية تنفس بعد أن اختنقت تحت أطنان المياه العادمة. هنا تتبدى لحظة شرف الكلمة وتجلّ الوعد بالبناء بلا تخلف، بلا مداهنة، وبصمت الإنسان الذي لا يُخطئ في مساره نحو الحق والجمال.

المشروع الأول: “قلب فاس تحت الأرض”

في عمق الأرض، وفوق بقايا أحجار المدينة العتيقة، يُشرع في بناء مجمع رئيسي للمياه العادمة، بطول 4 كيلومترات، وعرض يتراوح من 4 × 3,5 إلى 4 × 4 أمتار، وعمق يصل حتى 32 متراً، في استثمارٍ يُقدّر بـ200 مليون درهم ضمن غلاف إجمالي يصل إلى 400 مليون درهم .

هذا “المجمع” ليس مجرّد أنفاق؛ إنه شريان ينبض بالأمان للمدينة، إذ سيوجّه 90 ٪ من مياه الصرف بعيداً عن أطلال المدينة العتيقة المصنّفة ضمن التراث الإنساني، ليمنحها حماية هي من واجبنا الأول .

ولعل أبلغ ما في هذا المشروع هو قرار إلغاء محطة الضخ بالدكارات، تلك التي كانت تتربّص بانقطاع الكهرباء أو عطب تقني لتتحوّل إلى خطر بيئي حقيقي. القرار هنا يخدم العقل والمكان معاً، ويوصل الماء الحي إلى محطة المعالجة مباشرة.

المشروع الثاني: “جنوب فاس.. فضاء جديد للتنفس”

وفي امتدادٍ لهذه الرؤية، وُضِع حجر الأساس لإنشاء مجمعين بطول 8 كيلومترات، عرض 2,80 × 2,80 أمتار، وعمق يصل إلى 13 متراً، بكلفة 151 مليون درهم .

هذا التوسيع لا يقتصر على ضخ خطوط جديد، بل هو استعادة للقدرة على احتضان خطى سكان الجنوب من دون اختناق؛ تعبيد لقنوات التنفس في قلب المدينة، وتخفيف للبنية عن الفروع المتناثرة.

أسس ثقلية، ولمحات تتوهّج بين السطور

منطقيّة المشروع: الحد من مخاطر الانهيار البيئي والتراثي، وإنهاء اعتماد تقنيات هشّة كالضخ الآلي في محطات معرضة للانقطاع.

واقعيّة الطرح: أرقام ملموسة، أبعاد محددة، كلفة محسوبة، لا مبالغة فيها، بل تواضع الإخلاص في البناء.

أخلاقيّة الهدف: ليس مجرد أنبوب أسفل الأرض، بل درع يحمي الإنسان والذاكرة والمستقبل.

شرعية روحانية: في يوم يعبّر عن الجيل الجديد، تنتظم البنى التحتية والجرح الحضاري في كينونة جديدة تستدعي تبجيل الإنسان والحفاظ على الجواب الروحي للتحضر.

بعد إنساني… بعد تنموي… بعد وطني

تحت أنظار والي الجهة، عبد الغني الصبار، وضُوء احتفالية “عيد الشباب” و”ثورة الملك والشعب”، اجتمعت السلطات المحلية والمصالح المختصة والمنتخبون، جميعهم في لحظة تمازج بين البناء الحضري والاحتفال بالإنسان الشاب الذي يضيء الطريق .

وفي حديقة “جنان السبيل”، ارتفع خطاب الفعل إلى خطاب الفن: عرض بعنوان “ملحمة شباب العالم العربي” شعر من خلاله الجيل الجديد بقيمة غرسه في تراب الوطن، وبتأكيد دوره الراصد وباني المستقبل .

خاتمة بنبْض الكلمة النبيلة

تتراءى فاس، اليوم، وكأنها شعرٌ نبضه الماء، وكأن الأرض ترجّها رغبة في الانتعاش… إن الجهد المبذول يعدّ شهادة على أن الكلمة حين تُنعَش بالفعل تصبح جسداً يتحرك، لا نصاً جامداً.

وها هي المدينة تُسائلنا:

كيف نُعيد الاعتبار للتاريخ حين نُصون بنيته وهويته من غير إسراف؟

كيف نبني بأسلوب ينبض بالإنسان قبل الحجر؟

هل نقدر أن نختزل الفعل في حفظ الكلمة، دون تجريح أو ترديد؟

لا نخون شرف الكلمة، ولا نخدم سوى ضمير المدينة والإنسان. فاس اليوم لا تُحدثنا فقط بخطط البنية التحتية، بل تُعلّمنا أن الكلمة حين تُلبس فستان العمل الجاد، تصبح كائنًا يعيش ويلامس، ويُعيد من بين الأنفاق نور الانتماء، وقوامه الكرامة والوطن.

* الناشر   ” عندنا.. للخبر وجه آخر”

* annachir.com

chabab.presse@gmail.com

إرسال التعليق