فاس-مكناس.. حين تتآزر الجامعات لصناعة المستقبل
في مشهد يعبق بالأمل والتحدي، تتعاضدت ثلاث جامعات من قلب المغرب العلمي. سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ومولاي إسماعيل بمكناس، والأخوين بإفران لإطلاق مبادرة جديدة عنوانها الريادة ومرجعها الإبداع. فقد أعلنت هذه المؤسسات الأكاديمية عن فتح باب الترشيحات للمشاركة في المنتدى الجهوي للمقاولة فاس-مكناس، المقرر تنظيمه في مارس 2026، في خطوة تنبئ بولادة فضاء جديد يربط المعرفة بالفعل، والحلم بالإنجاز.
هذه المبادرة نحسبها مشروع رؤية يروم تحفيز روح الابتكار لدى الطلبة والأساتذة والباحثين، وكل من يملك فكرة طموحة تسعى إلى أن تترك أثراً في واقع الناس لا في الأوراق وحدها. فالمستقبل — كما تقول التجارب الناجحة — لا يُصنع بالخطابات ولا بالنوايا الحسنة فقط، بل بفعل منظم وعلم موجّه وإيمان بأن الفكر المغربي قادر على أن ينافس عالمياً متى وجد من يواكبه ويثق به.
ومن المنتظر أن يستفيد المرشحون الذين ستقع عليهم عملية الانتقاء من مسار تأهيلي متكامل يشمل ورشات تكوينية تفاعلية، وجلسات تأطير ومواكبة، إضافة إلى لقاءات مباشرة مع مستثمرين محليين وجهويين. والغاية من ذلك أن يتعلم الشباب كيف يضعون أقدامهم بثبات على أرض السوق، وكيف يحولون الفكرة إلى مشروع حيّ نابض بالجدوى.
أما محاور المنتدى، فقد تم تحديدها بدقة لتنسجم مع مؤهلات الجهة الاقتصادية الكبرى، وتشمل مجالات الذكاء الاصطناعي والفلاحة والصحة والمالية والسياحة. غير أن الأجمل في هذه المبادرة هو انفتاحها على مختلف المشاريع الإبداعية دون تقييد المجال أو نوع التخصص،
وهي بذلك رسالة واضحة مفادها أن روح الابتكار لا تُختصر في تخصص ولا تُحبس في حقل معرفي بعينه، بل هي طاقة إنسانية متى أُطلقت أثمرت من كل صنف جميل.
المرحلة الختامية التي ستتوج أفضل خمسة مشاريع من كل جامعة، ستكون بمثابة عرض للقوة الفكرية والإبداعية للشباب المغربي، وفرصة لتأكيد أن الجامعة ليست فقط فضاء للتلقين، بل ورشة مفتوحة للتجريب والاختراع والإسهام في تنمية الجهة والبلاد.
إن ما يحدث اليوم في فاس-مكناس يتجاوز حدثاً أكاديمياً إلى كونه تجربة في البناء المشترك بين الجامعة والمجتمع، بين الفكر والعمل، بين الحلم والإرادة. إنها محاولة صادقة لإعادة الثقة في عقولنا الشابة، وفي قدرتها على تحويل الأفكار إلى أدوات للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، إذا ما وجدت التأطير النزيه والدعم المستمر والبيئة الحاضنة.
لكن، لنسأل بصدق: هل ستتحول هذه المبادرات إلى تقليد مؤسساتي دائم؟ هل ستُثمر مشاريع حقيقية تدوم بعد التصفيق؟ وهل سيتجدد الوعد بربط الجامعة بالمجتمع، لا كشعار موسمي، بل كخيار وطني طويل النفس؟
ذلك هو التحدي الأكبر: أن يكون النجاح وسيلة للخير لا غاية للذات، وأن تصبح الشفافية والمساءلة ثقافة لا شعاراً. فالمغرب لا يحتاج إلى مبادرات كثيرة بقدر ما يحتاج إلى مبادرات صادقة، تُبنى على نية الإصلاح وصدق التنفيذ. فنجاحنا الحقيقي لن يُقاس بعدد المؤتمرات، بل بعدد العقول التي وجدت طريقها إلى الفعل، وعدد المشاريع التي نمت في ضوء النزاهة، لا في ظلال الوعود والمحسوبية.
إن مغرب الغد الذي نحلم به لن يقوم إلا على تزاوج الوعي بالعلم، والعلم بالقيم، والقيم بالفعل. مغرب تُقاس فيه التنمية بسمو الإنسان قبل نمو الأرقام، وتكون فيه المقاولة فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون اقتصادياً. فهل نملك الشجاعة لنحيا هذا التحول؟ وهل سنصغي لصوت الضمير الوطني الذي ينادينا لنزرع الصدق في كل فكرة نُطلقها، ونزرع النور في كل مشروع نؤسسه؟
* الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق