فاس.. نبض التخطيط الحضري يعانق التراث والمستقبل

فاس.. نبض التخطيط الحضري يعانق التراث والمستقبل

مدينة تحتضن الزمن وتُعيد صياغته

في قاعة تضم نخبة من المسؤولين، من كاتب الدولة للإسكان إلى والي الجهة بالنيابة، ومن عمال الأقاليم إلى رؤساء المجالس الترابية، انعقد المجلس الإداري للوكالة الحضرية لفاس، ليس لمجرد استعراض الأرقام، بل لرسم خارطة طريق تعكس التزامًا عميقًا بتطوير المدينة وأقاليمها. هنا، تتجلى الحكامة الإدارية كلوحة فنية، تجمع بين دقة التخطيط ومرونة التنفيذ، لتصنع من فاس ومحيطها نموذجًا للتنمية المتوازنة.

الوكالة الحضرية، التي تأسست عام 2005، لم تكتفِ بأن تكون مجرد مؤسسة إدارية، بل تحولت إلى قلب نابض يغذي المنطقة بالرؤى والمشاريع. فمنذ تأسيسها حتى نهاية 2024، أنجزت الوكالة 136 وثيقة تعمير، 112 منها حظيت بالمصادقة، محققة تغطية كاملة (100%) للمجالين الحضري والقروي. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل شهادة على جهد متواصل لضمان أن تكون كل زاوية من أقاليم فاس – صفرو، مولاي يعقوب، بولمان، وعمالة فاس – موطنًا للعيش الكريم.

تراث معماري يتنفس الحياة

التراث في فاس ليس مجرد حجارة وأزقة، بل هو ذاكرة حية تحكي قصة أمة. الوكالة الحضرية، واعية بهذا الإرث، أنجزت خمس دراسات مجالية تُعنى بصون هذه الذاكرة وإحيائها. من الميثاق المعماري للمدينة العتيقة، الذي حظي بالمصادقة، إلى ميثاقي صفرو والبهاليل، ودراسات لتأهيل مدينة رباط الخير ومركزي بكيكو في إقليم بولمان، تبرز الوكالة التزامًا بأن تكون التنمية جسورًا بين الماضي والمستقبل.

هذه الدراسات ليست مجرد وثائق، بل هي رؤية لمدن وقرى تتنفس الحياة، تحترم هويتها الثقافية، وتتطلع إلى جودة عيش أفضل. فعلى سبيل المثال، إعادة هيكلة 15 قطاعًا ناقص التجهيز في الأقاليم الريفية تعكس إدراكًا عميقًا لأهمية العدالة المجالية، حيث لا ينبغي للقرية أن تكون ظلًا باهتًا للمدينة، بل شريكًا في دينامية التنمية.

دينامية عقارية تحرك عجلة الاقتصاد

الوكالة الحضرية لفاس لم تقتصر على التخطيط النظري، بل أصبحت محركًا للدينامية العقارية. من خلال إعداد وثائق التعمير والدراسات المجالية، ساهمت الوكالة في تحفيز الاستثمار وخلق فرص اقتصادية. هذه الجهود، التي تمتد عبر أربعة أقاليم و60 جماعة ترابية، تغطي مساحة 20,318 كيلومترًا مربعًا، وتخدم ساكنة تتجاوز 1.78 مليون نسمة. هنا، يتجلى دور الوكالة كحارس للتوازن بين النمو العمراني والحفاظ على الهوية المحلية.

الأرقام التي قدمها المدير العام للوكالة خلال الاجتماع ليست مجرد إنجازات، بل هي شهادة على قدرة المؤسسة على الجمع بين الاجتهاد والمرونة. ففي عامي 2023 و2024، حققت الوكالة مؤشرات ملموسة في التخطيط الحضري وإعادة الهيكلة، مما عزز من جاذبية المنطقة كوجهة استثمارية وسياحية. لكن، وراء هذه الأرقام، تكمن قصص إنسانية: عائلات وجدت في هذه المشاريع فرصة لتحسين ظروف عيشها، وحرفيون استعادوا فخرًا بتراثهم، وشباب وجدوا في التنمية المستدامة أملًا لمستقبل أفضل.

الحكامة الإدارية.. فن إدارة الطموح

في عالم تتسارع فيه التحولات، تبرز الحكامة الإدارية كركيزة لنجاح أي مشروع تنموي. الوكالة الحضرية لفاس، بموارد بشرية تتميز بالكفاءة والالتزام، وضعت برنامج عمل طموح للأعوام 2025-2027. هذا البرنامج ليس مجرد خطة على الورق، بل هو خارطة طريق ترسم معالم مستقبل يحترم الإنسان والبيئة. من خلال الدوريات الوزارية التوجيهية، تسعى الوكالة إلى تعزيز الشفافية والفعالية في تدبير الموارد، مما يجعلها نموذجًا للحكامة الرشيدة.

لكن الحكامة ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي وعد بالعدالة والمساواة. إنها التزام بأن تكون كل قرية وكل مدينة في نطاق الوكالة شريكًا في التنمية، لا مجرد رقم في إحصائية. هنا، تتجلى مسؤولية المؤسسات في أن تكون مرآة لتطلعات الشعب، وصوتًا لضميره الجمعي.

* الناشر

إرسال التعليق