“فتح مبين لحق طال انتظاره” : يضع المغرب أمام مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد الاعتراف ، مرحلة استكمال البناء التنموي الجديد بأريحية ..

“فتح مبين لحق طال انتظاره” : يضع المغرب أمام مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد الاعتراف ، مرحلة استكمال البناء التنموي الجديد بأريحية ..

في ليلة مباركة هي عيد روحي ووطني بامتياز ، أطلّ جلالة الملك محمد السادس نصره الله على شعبه الوفي بكلمات لم تكن بمناسبة خطابٍ سنوي عن المسيرة الخضراء المظفرة، بل كان لحظة تاريخية تسجل في سجل الأمم و تؤرخ لمرحلة فاصلة في قضيتنا الوطنية العادلة   معلية صوت الحق وقد  عاد إلى أصحابه بعد عقود من الانتظار  والعمل الدؤوب. بدأ جلالته كلامه بتلاوة الآية الكريمة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، فكأنما أراد أن يضع اللحظة في سياقها الروحي العميق قبل أن يضعها في سياقها السياسي الراهن، لأن الفتح الذي يتحدث عنه ليس فتح أرضٍ فحسب، بل فتح للعدالة، وللتنمية، وللكرامة التي طالما حُرمت منها أجيالٌ كاملة في الأقاليم الجنوبية.. فلطالما كانت قضية الصحراء المغربية أكثر من مجرد نزاع حدودي، كانت اختباراً للصبر الاستراتيجي، وللقدرة على تحويل التحدي إلى فرصة، وللإيمان بأن الحق، مهما طال غيابه، لا بد أن يعود. وها هو اليوم يعود، ليس بضجيج المدافع، بل بصوت قرار أممي هادئ ولكنه قاطع، قرار يُكرّس مصداقية مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ 2007، تلك المبادرة التي لم تكن مجرد ورقة تفاوضية، بل رؤية شاملة تجمع بين السيادة والديمقراطية المحلية، بين الوحدة الوطنية والتعددية الثقافية، بين الذاكرة التاريخية والطموح المستقبلي.

في قرار مجلس الأمن الأخير، الذي جاء تتويجاً لمسار دبلوماسي طويل، لم يعد هناك مجال للغموض: المبادرة المغربية هي الخيار الوحيد الجاد والواقعي على الطاولة. لم يعد الأمر يتعلق بمن يملك الحق، فهذا أمر مفروغ منه تاريخياً وقانونياً وشعبياً، بل أصبح يتعلق بمن يملك الجرأة لقبول الواقع والبناء عليه. المغرب، بقيادة جلالة الملك، لم ينتظر الاعتراف ليبني، بل بنى ليُثبت السيادة، فتحولت مدن الصحراء من نقاط على الخريطة إلى مراكز حيوية تنبض بالمشاريع الكبرى، من ميناء الداخلة الأطلسي الذي سيصبح بوابة إفريقيا نحو العالم، إلى شبكات الطاقة المتجددة التي تجعل من الرمال مصدراً للضوء والأمل.

ان الفتح المبين لم يكن يوماً مجرد قرار دولي، بل كان، ولا يزال، قصة شعب. شعبٍ يسكن في العيون وفي بوجدور وفي السمارة، يتحدث الحسانية ويحمل الهوية المغربية في قلبه قبل أن تحملها جوازات سفره. هؤلاء الذين لم يتوقفوا يوماً عن رفع العلم المغربي في المدارس والأسواق والمهرجانات، حتى في أصعب الظروف. هؤلاء الذين رأوا في كل استثمار جديد دليلاً على أن الدولة لم تنسَاهم، وأن الملك لم يتخلَ عنهم. يوما .

عندما يتحدث جلالته عن “العمل والبناء”، فهو لا يتحدث بلغة الشعارات، بل بلغة الإسفلت الذي يربط المدن، والمستشفيات التي تُشيّد، والجامعات التي تُفتتح، والوظائف التي تُخلق لأبناء المنطقة أولاً.

في السنوات الأخيرة، شهد العالم تحولاً مذهلاً في موازين القوى الدولية حول قضية الصحراء. دولٌ كبرى فتحت قنصلياتها في العيون والداخلة، ليس كبادرة رمزية فحسب، بل كاستثمار في مستقبل مشترك. الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، ودولٌ عربية وإفريقية عديدة، كلها أدركت أن المغرب لا يطالب بحقٍ فحسب، بل يقدم نموذجاً للحكم الرشيد والتنمية المستدامة. وفي الوقت الذي انسحبت فيه الجزائر تدريجياً من دور الوسيط إلى دور الطرف المعرقل، ظل المغرب يمد يده للحوار، ليس ضعفا، بل ثقة في أن الحق لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى عمل.

ومع ذلك، فإن التحدي لم ينته. لا تزال هناك أصوات تتحدث بلغة الماضي، تتمسك بأوهام الانفصال، تُغذي التوتر بدل الحل. لكن هذه الأصوات أصبحت اليوم أقل تأثيراً، لأن الواقع على الأرض يتحدث بلغة أقوى. عندما يرى العالم كيف تحولت الداخلة إلى مركز للاستثمار الدولي، وكيف أصبحت العيون عاصمة ثقافية نابضة، وكيف يدرس أبناء الصحراء في جامعات حديثة، فإن أي خطاب انفصالي يبدو خارج الزمن، خارج السياق، خارج المنطق.

في هذه اللحظة التاريخية، يضع جلالة الملك محمد السادس نصره الله المغرب أمام مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد الاعتراف، مرحلة البناء الفعلي للنموذج التنموي الجديد. لم يعد الحديث عن السيادة مجرد دفاع عن الحدود، بل عن بناء مجتمع متماسك، عادل، مزدهر. النموذج التنموي الذي أطلقه جلالته لا يفرق بين شمال وجنوب، بين شرق وغرب، بل يرى في كل جهة رافعة للتنمية الوطنية. الصحراء ليست طرفاً في المغرب، بل قلباً نابضاً فيه، ودليلاً على قدرة الأمة على تحويل التحدي إلى فرصة.

وهكذا، في كل مرة يرفع فيها طفل في السمارة العلم المغربي، أو تُفتتح فيها مدرسة جديدة في بوجدور، أو يوقّع مستثمر أجنبي اتفاقية في الداخلة، فإن الفتح المبين يتجدد. ليس فتحاً عسكرياً، بل فتحاً إنسانياً، تنموياً، ديمقراطياً. فتحٌ يثبت أن الشعوب لا تُبنى بالشعارات، بل بالمشاريع، ولا تُوحد بالقوة، بل بالعدالة. وفي ظل قيادة ملكٍ يؤمن بأن السيادة الحقيقية هي سيادة التنمية والكرامة، يمضي المغرب قدماً، واثقاً من أن الحق، مهما طال انتظاره، لا بد أن ينتصر، وأن الشعب، مهما طال صبره، لا بد أن يجني ثمار وحدته وكفاحه.

اليوم، لسنا أمام نهاية قصة، بل أمام بداية فصل جديد. فصلٌ عنوانه: المغرب الموحد، المزدهر، المتألق من طنجة إلى الكويرة، في ظل سيادة لا تقبل النقاش، وتنمية لا تقبل التأجيل. وكما بدأ جلالة الملك خطابه بآية الفتح، فإن شعبه يردد معه، بقلبٍ واحد آية الفتح الكريمة ذات الدلالات العميقة ، فتحاً للوطن وللكرامةو للمستقبل.

• الناشر >> “عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق