مدينة فاس تتحرك على عجلات الكرامة: إعطاء الانطلاقة الرسمية لأسطول حافلات النقل الحضري..
كان المشهد في فاس اشبه بإعلان هادئ عن مرحلة جديدة في علاقة المدينة بزمنها اليومي. إنه انطلاق حافلات جديدة في شوارع المدينة، بإعطاء الانطلاقة الرسمية لأسطول حافلات النقل الحضري، إنها لحظة تحمل من الدلالات ما يتجاوز الخبر العابر، وتلامس جوهر السياسات العمومية المرتبطة بحياة الناس.
الحدث جاء في إطار تنزيل التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الرامية الى تحسين جودة الخدمات العمومية وتعزيز العدالة المجالية.
أعطيت الانطلاقة الرسمية بحضور مسؤولين جهويين ومحليين، في مقدمتهم والي جهة فاس مكناس ورئيس مجلس الجهة. الانطلاقة كانت اشبه برسالة عملية مفادها ان النقل الحضري لم يعد تفصيلا تقنيا، بل مدخلا اساسيا لاعادة تنظيم المدينة واعادة الاعتبار لزمن المواطن وحقه في خدمة عمومية محترمة.فالبرنامج يندرج ضمن اتفاقية تمويل البرنامج الاستثماري الخاص بالنموذج الجديد لعقود التدبير المفوض للنقل العمومي الحضري، الموقعة خلال المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة بمدينة طنجة، ويهم اقاليم فاس وتاونات ومكناس وتازة. وهو استثمار هيكلي يسعى الى تجديد اسطول النقل الجماعي وتحسين شروط السلامة والراحة وضمان انتظام الخطوط، بما يخفف من حدة الاكتظاظ ويشجع على اعتماد النقل العمومي كخيار حضري عقلاني وصديق للبيئة.
الغلاف المالي للمشروع يعكس حجمه ورهانه، اذ بلغ ما مجموعه 632,06 مليون درهم، ساهمت فيه جهة فاس مكناس بحوالي 231,11 مليون درهم. المشروع شمل اقتناء 268 حافلة جديدة مجهزة بانظمة حديثة بغلاف مالي يقارب 610,06 مليون درهم، مع انطلاق فعلي للدفعة الاولى التي استفادت منها مدينة فاس ب 154 حافلة. كما شمل انجاز وتجهيز مخازن الحافلات واحداث اعمدة الوقوف بكلفة تناهز 22 مليون درهم.
وراء هذه الارقام يقف منطق اخر لا يقل اهمية، وهو منطق التنسيق المؤسساتي والعمل المشترك بين وزارة الداخلية ومجلس الجهة وجماعة فاس والسلطات المحلية، في احترام تام للمقتضيات القانونية والتنظيمية. كأن المشروع يقول ان التنمية الحضرية لا تبنى بالشعارات، بل بالانسجام بين الرؤية والتنفيذ، وبين التخطيط والصدق العملي في تنزيله.
وتكتسب هذه الخطوة اهمية اضافية مع اقتراب احتضان فاس لجزء من منافسات كأس أمم إفريقيا 2025، حيث يصبح النقل الحضري واجهة حضارية قبل ان يكون خدمة تقنية، وعنصرا اساسيا في صورة المدينة وقدرتها على التنظيم والاستقبال. لكنها في العمق تظل موجهة بالاساس الى الساكنة اليومية، الى العامل والطالب والمسن وكل من يراهن على الحافلة كجسر بسيط نحو عمله وحياته.
المرحلة الثانية من هذا المشروع ستمتد الى مدن مكناس وتاونات وتازة، في افق تعميم تجربة تراهن على جعل النقل العمومي رافعة لجودة الحياة وليس عبئا عليها. وهنا يطرح السؤال الاكبر نفسه بهدوء ومسؤولية: هل يمكن لمثل هذه المشاريع العمومية ، الباهظة التكلفة ان تتحول في الذاكرة الجمعية الى ثقافة تدبير ومساءلة ووعي جماعي بقيمتها يشارك في المحافظة على استدامتها النفعية والجمالية المواطن والمسؤول على حد سواء ؟
• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق