مكناس : الحكم الذاتي بين شرعية التاريخ ورهان المستقبل ..
في مساء ثقافي قانوني احتضنته قاعة المحاضرات بهيئة المحامين بمكناس، التأم ثلة من الفاعلين الرسميين والقانونيين والباحثين في ندوة وطنية حملت عنوانا لافتا: الحكم الذاتي من المبادرة الملكية إلى الشرعية الاممية الثوابت والابعاد. لقاء كان محطة للتفكير الهادئ في قضية تصنع جزءا من وجدان المغاربة وتاريخهم الممتد، وتعيد طرح سؤال المسؤولية الوطنية في زمن تتغير فيه خرائط المصالح وتتشابك فيه اصوات الداخل والخارج.
حضور العامل والمسؤولين القضائيين والمنتخبين ونقيب الهيئة والمهنيين الواسع لم يكن طقسا بروتوكوليا فقط، بل اشارة إلى ان الجسم القانوني والقضائي يستشعر اليوم اكثر من اي وقت مضى حساسية قضية الصحراء وما تعرفه من تحولات دولية تعيد ترتيب اوراق النزاعات الاقليمية. وقد عرض خلال اللقاء رصيد وثائقي غني من ملفات وشهادات وخرائط رسمية تؤكد الامتداد السيادي للمغرب على صحرائه، وتوثق مسارات السلاطين والولاة المغاربة الذين مارسوا سلطاتهم على امتداد القرون، في قراءة علمية اعادت ابراز الخلفية التاريخية والواقعية التي يستند اليها الموقف المغربي.
وفي مداخلة لافتة، قدم الشيخ الولي ماء العينين رؤية روحانية وتاريخية اعتبرت الحكم الذاتي مساحة لقاء بين التاريخ والواقع، صيغة تحفظ الهوية الصحراوية وكرامة ابنائها وتعزز انتماءهم الوطني، مؤكدا ان الاطروحات الانفصالية طارئة على الثقافة الصحراوية الاصيلة، دخيلة عليها فكرا وممارسة. هذا الطرح الروحي التاريخي اعطى للنقاش عمقه الانساني الذي يتجاوز لغة السياسة وطبقات الخطاب الدبلوماسي.
وتوالت المداخلات عبر الجلسات الاربع لتعيد رسم مسار القضية الوطنية منذ خمسينيات القرن الماضي، مؤكدة ان ارتباط المغرب باقاليمه الجنوبية ليس صناعة ظرف سياسي، بل حقيقة ترسخت بالبيعة والروابط الروحية والاجتماعية، وان المقترح المغربي للحكم الذاتي اليوم يمثل الحل السياسي الواقعي الوحيد القابل للتطبيق، ويحظى بدعم دولي متزايد لكونه نموذجا عقلانيا لتدبير النزاعات في عالم يعاني من هشاشة الاستقرار. وفي مقابل ذلك، نبه المتدخلون إلى محاولات تعطيل المسار الاممي رغم وضوح المرجعيات القانونية ورغم الدعم المتواصل الذي تحظى به المبادرة المغربية داخل مجلس الامن.
ولم تقف الندوة عند تشخيص الواقع، بل طرحت سؤال الداخل قبل الخارج، إذ دعا المشاركون إلى تقوية الجبهة الوطنية عبر الانتقال من الخطاب إلى ترسيخ العمل المؤسساتي والتنمية والدبلوماسية المواطنة، باعتبار ذلك ركائز تضمن نجاح المشروع الوطني في افقه الداخلي والدولي معا.
• الناشر


إرسال التعليق