جائزة محمد السادس للدراسات الاسلامية: الفكر يصنع طريقه نحو خدمة الانسان ..
في عصرنا الذي تتشابك فيه اصوات العالم وتتسارع خطاه، يظل الفكر الجاد والعمل الاصيل هما الجسر الذي تعبر عليه الامم نحو وضوح البصيرة ورسوخ القيم. من هذا الافق الواسع يجيء اعلان وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية عن اطلاق مسابقة جائزة محمد السادس للدراسات الاسلامية، كاشفا عن مشروع معرفي يحمل روح الدولة المغربية حين تضع العلم في موقع الفعل، وتمنح البحث النزيه مكانته اللائقة بين مسارات التنمية والوعي.
فالجائزة تأكيد جديد على رؤية ملكية جعلت من خدمة القيم الاسلامية وترسيخ الاخلاق ونشر المعرفة المهمة الاولى. فاختيار موضوع العقيدة الاسلامية واثارها في الاخلاق والسلوك ليس عابرا ولا زخرفا لغويا، بل هو تذكير عميق بأن بناء الانسان يبدأ من وضوح العقيدة ونقاء الفكرة وسلامة السلوك، وان المجتمع الذي يريد قوة روحية وفكرية لا بد ان يستند الى فهم راسخ يربط بين الايمان والسلوك، وبين المعرفة والاصلاح، وبين العقيدة والاخلاق.
وتأتي شروط المشاركة التي وضعتها الوزارة دعوة واضحة الى الجدية والالتزام العلمي. فالبحث مطلوب ان يكون اصيلا، عميقا، غير مستهلك، ومكتوبا بلغة رصينة عربية كانت او لغة من اللغات الحية، مما يعكس رغبة المغرب في جعل الفكر الاسلامي حاضرا في النقاش العالمي الواسع، لا منغلقا في حدوده الضيقة. اما حجم البحث ومتطلبات ايداعه وتواريخه الدقيقة فتعطي انطباعا بأن المنظمة تريد عملا علميا متكاملا لا مسودة مرتجلة او معالجة سطحية.
ان قيمة الجائزة المالية، والشارة التذكارية والشهادة التنويهية، كلها عناصر تقدير لكنها ليست جوهر الفكرة. فالمغزى العميق يكمن في صنع حركة فكرية مستمرة تحفز العقول وتفتح الباب امام الاجتهاد الرصين، وتدعو الباحثين الى تقديم ما ينفع العقل والوجدان والمجتمع. وفي امكانية منح الجائزة مناصفة اشارة رفيعة الى ان التنافس العلمي ليس صراعا بل تقاسم للمعرفة وتكامل في الخدمة.
وليس من قبيل المصادفة ان يتم الاعلان عن الفائزين في مناسبة المولد النبوي الشريف، فذلك يربط البحث العلمي بالمعنى الروحي، ويعيد مركزية القيم في قلب المشروع الفكري الذي يريده المغرب لنفسه وللعالم.
وفي زمن كثرت فيه الاصوات المادية التي تختزل النجاح في المكاسب العابرة، تأتي هذه الجائزة لتذكر الرأي العام بأن قوة المجتمعات لا تبنى بالارقام وحدها، وانما بالتوازن بين النجاح المادي والنجاح المعنوي، بين العلم الروحي والعلم العقلي، وبين الفكرة التي ترتفع بالانسان والسلوك الذي يترفع عن السفاسف. فالمشاريع المجتمعية التي لا تنطلق من نية حسنة ولا تصاغ بصدق في التخطيط والتنفيذ سرعان ما تتحول الى جدران بلا روح، اما المشاريع التي تحمل قيما اخلاقية ورؤية انسانية فهي التي تمنح للمجتمع معنى واثرا.
• الناشر


إرسال التعليق