من فاس إلى باريس… ومن الكاميرون إلى ساحل العاج: جسور اقتصادية لا تعرف الحدود..

من فاس إلى باريس… ومن الكاميرون إلى ساحل العاج: جسور اقتصادية لا تعرف الحدود..

غرفة التجارة تفتح نوافذ التعاون وتعيد تشكيل جغرافيا الاستثمار

ليس في الأخبار ما يثير الضجة، ولا في المقررات ما يُلهب العناوين، لكن في التفاصيل ما يكشف الكثير.

في زمن تلهث فيه بعض المؤسسات خلف الاستعراض، كانت غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة فاس مكناس تعقد اجتماعها الشهري، بهدوء الواثقين الذين يَحسبون خطواتهم لا بعدد التصريحات، بل بمدى أثرها على الأرض.

اجتماع يوم الجمعة 4 يوليوز 2025 لم يكن مجرد ترف إداري، بل حلقة أخرى في سلسلة من الجهود المتراكمة لإعادة رسم مكانة الجهة اقتصاديًا، وتجديد لغة التعاون خارج الحدود.

بين الحصيلة والطموح… منتدى فاس مكناس الاقتصادي في الميزان

أولى محاور الاجتماع خصّت تقييم المنتدى الاقتصادي الجهوي الذي احتضنته فاس مكناس مؤخرًا. المنتدى كان منصة عملية جمعت المستثمرين والمؤسسات والشركاء المحليين والدوليين. ولعل تتويج هذه الدينامية بانتخاب السيد حمزة بنعبد الله نائبًا لرئيس شبكة الغرف الإفريقية والفرنكوفونية، ليس فقط شرفًا شخصيًا، بل اعتراف بمكانة الغرفة كمحاور مؤسساتي حاضر في الفضاء الإفريقي والفرنكوفوني بقوة الارتباط وذكاء الشراكة.

اتفاقيات لا تعرف الجغرافيا ولا اللغة حاجزًا

الغرفة تتحرك كمن يحرث الأرض لا كمن يرسم في الهواء؛ شراكات مع غرفة باريس، وأخرى مع الكاميرون، البنين، ساحل العاج، موريتانيا… ليس الأمر تراكما في الملفات، بل خيوطًا تُنسج بعناية لبناء نسيجٍ اقتصادي عابر للحدود. أسواق جديدة، رؤى مشتركة، ومساحات استثمارية تُعاد صياغتها على قاعدة “رابح – رابح”.

اليوم الجهوي للتاجر… اعتراف بالمحلي في زمن العولمة

في خضم الحراك الدولي، لم تنس الغرفة أبناءها: التجار المحليين. تنظيم اليوم الجهوي للتاجر ليس فقط تظاهرة، بل محطة للتقييم، والتأهيل، والتثمين. إنها رسالة ضمنية: من لا يعترف بأهمية السوق الداخلية لا يحق له أن يتحدث عن الأسواق الخارجية.

حين تفتح الدولة بابًا… لا بد من جاهزية المفتاح

شاركت الغرفة في طلب عروض أطلقته وزارة الصناعة والتجارة لتمويل مشاريع مهيكلة، وهي خطوة تؤكد أن الفعل المؤسساتي لا ينتظر فقط الموارد بل يذهب في طلبها ويصوغ لها مبرراتها المقنعة. وعليه، لم تكن المشاركة شكلية، بل مدروسة ومبنية على أرضية مشاريع قيد الإنجاز.

الفضاء الكبير للعروض: من رؤية إلى بناء

ضمن استراتيجية تعزيز البنية التحتية الاقتصادية، طُرِح مقترح شراكة مع الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، لإنشاء فضاء كبير للعرض ضمن محيط المعرض الدولي لفاس. خطوة لو تحققت، ستشكل منعطفًا في جعل فاس مركزًا للترويج الصناعي والتجاري، بدلًا من بقائها محطة عبور نحو مدن أخرى.

تأهيل البنايات والمشاريع… الإدارة تبدأ من الشكل لكنها لا تنتهي عنده

الاجتماع لم يغفل تتبع أشغال تأهيل بنايات الغرفة ولا تفاصيل المشاريع التي تشرف عليها، لأن البناء المؤسساتي ليس رفاهية، بل ضرورة تُضفي على القرارات هيبة، وعلى الخدمة العامة جاذبية، وعلى المواطن طمأنينة.

إذ ليس من عادة المؤسسات أن تُعلن عن خطواتها بصخب، ولا من واجب المواطن أن يصفّق بلا مساءلة. لكن حين يتحرك جهازٌ عمومي في اتجاه تفعيل البرامج بدل دفنها، ويصوغ علاقاته عبر جسور متينة لا عبر جسور من ورق، فهنا يحق لنا أن نتوقف، لا لنصفّق، بل لنفهم.

أمام هذه التحركات، يظل السؤال مطروحًا علينا جميعًا:

هل نملك كأفراد وفاعلين اقتصاديين ومجتمعيين، الوعي الكافي لنشارك في بناء رؤية اقتصادية محلية تنهض من الجذور لا من القشور؟

هل نُسهم في تكريس ثقافة الانخراط بدل ثقافة الانتظار؟

وهل نستطيع أن نرى في كل اتفاق وشراكة ومشروع، لبنةً في صرح الوطن، لا مجرّد خبر عابر في نشرة الأخبار؟

فالغرف لا تبنى بالإسمنت فقط… بل بثقة المواطن.

والاقتصاد لا ينهض بالأرقام فحسب… بل بهمّة الرجال والنساء الذين يشتغلون بصمت، ويحلمون ببلدٍ يُزهر من جديد.

• الناشر

إرسال التعليق