من محاضرة عالمية بفاس الى سؤال وطني مفتوح حول عمارة تخدم الانسان والتنمية التي لا تكتفي بالماديات..

من محاضرة عالمية بفاس الى سؤال وطني مفتوح حول عمارة تخدم الانسان والتنمية التي لا تكتفي بالماديات..

كان افتتاح الموسم الاكاديمي الجديد بالجامعة الخاصة بفاس  اشبه بنداء فكري هادئ يطرق باب المدينة، كأنه يسائل الحجر قبل البشر، ويختبر وظيفة العمارة خارج حدود الاسمنت والارتفاعات الهندسية. ففي لحظة فكرية مكثفة، اجتمع طلبة واساتذة ومهنيون حول فكرة واحدة تتقدم بثبات مفادها ان العمارة لا تكتمل الا حين تنحاز للانسان.

اختيار الجامعة الخاصة بفاس للمهندس المعماري الشيلي اليخاندرو ارافينا، الحاصل على جائزة بريتزكر العالمية، كان اشبه بمرآة تعكس توجها واضحا نحو هندسة ترى في السكن حقا اجتماعيا لا امتيازا طبقيا، وفي المدينة فضاء للعيش المشترك.

ارافينا الذي يوصف بانه من القلائل الذين جعلوا من العمارة لغة اخلاقية، جاء الى فاس حاملا تجربة عالمية تمتد من اوروبا الى امريكا اللاتينية، ومن اعادة الاعمار بعد الكوارث الى ابتكار نماذج للسكن التدريجي القابل للتطور.

في هذا اللقاء الذي نظم تحت شعار ستوديو العناصر، كان الحديث عن فلسفة عمل ترى في التصميم التشاركي فعلا جماعيا، كأنه حوار مفتوح بين المهندس والمواطن، بين الحلم والامكان. تجربة ارافينا كما قدمها، تؤكد ان العمارة قادرة على التدخل في الحالات الاجتماعية المستعجلة، وعلى استعادة الكرامة الانسانية حين تتكسر بفعل الفقر او الكوارث، وان البناء لا يكون نبيلا الا اذا كان جزءا من دينامية جماعية مستدامة.

رئيس الجامعة محمد عزيز لحلو وضع هذه اللحظة في سياقها الاكاديمي والانساني، معتبرا ان الجامعة اختارت ان تجعل من الابتكار والمسؤولية والانفتاح على العالم عنوانا لموسمها الجديد، وكأنها تقول ان المعرفة لا قيمة لها اذا لم تترجم الى خدمة المجتمع. فاس في هذا المشهد كان فضاء رمزيا يلتقي فيه التاريخ مع اسئلة المستقبل.

من جهته، اعتبر مسؤولو المدرسة العليا للهندسة المعمارية ان حضور شخصية عالمية بهذا الوزن يعكس قدرة الجامعة على التموضع في الخريطة الاكاديمية الدولية، ويوفر للطلبة بيئة تعليمية لا تكتفي بنقل المعارف، بل تحفز على التفكير النقدي والعمل الجماعي. النقاشات التي دارت داخل القاعة كانت اشبه بورشة فكرية مفتوحة، حيث اكتشف المشاركون ان التواضع الفكري يمكن ان يسكن اعلى القامات العالمية، وان القرار المشترك قد يكون اكثر نجاعة من العبقرية الفردية المعزولة.

اللقاء منح الطلبة فرصة نادرة للتفاعل المباشر مع تجربة عالمية، ومناقشة رهانات السكن الاستعجالي والتخطيط الحضري، في زمن تتعاظم فيه التحديات الاجتماعية والبيئية. كما ان تعيين ارافينا راعيا لشعبة الهندسة المعمارية بالجامعة يفتح افقا جديدا لتكوين منفتح على القضايا الكبرى، ويؤسس لجيل من المهندسين لا ينظرون الى المدينة كمنتج استثماري فقط، بل ككائن حي يحتاج الى عناية ومسؤولية.

ما جرى في فاس يطرح اسئلة تتجاوز الهندسة المعمارية لتلامس جوهر التنمية. هل نريد مدنا تنمو بلا روح، ام مجتمعات تبنى على الوعي والمعرفة والقيم؟ هل يمكن للنجاح ان يقاس فقط بالارقام والخرسانة، ام ان سعادة الفرد والمجتمع لا تكتمل الا بالتوازن بين المادي والمعنوي؟ ثم من يتحمل مسؤولية التخطيط والتنفيذ اذا غابت النية الحسنة والصدق العملي؟

الرهان الحقيقي اليوم ليس في تشييد المباني، بل في بناء الوعي، وفي جعل التقييم والمساءلة ثقافة لا استثناء لها. مغرب الغد لن يصنعه الاسمنت وحده، بل تصنعه العقول التي تؤمن بان النجاح وسيلة للخير العام لا غاية معزولة، وبان العمارة كما التنمية، حين تتسلح بالعلم والقيم الاخلاقية، تصبح جسرا بين الانسان وكرامته، وبين الحلم والعمل.

• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق

You May Have Missed