مهرجان إفران الدولي: لحن الماء يعزف على أوتار التراث والتنمية
في قلب جبال الأطلس المتوسط، حيث تتغنى الطبيعة بأنفاس الأرز وتهمس الينابيع بحكايات الحياة، تعود مدينة إفران لتضيء سماءها بنجوم المهرجان الدولي في دورته السابعة، من 23 إلى 26 يوليوز 2025. تحت شعار “الماء، مصدر الحياة ورهان التنمية”، يأتي هذا الحدث كلحنٍ متناغم يجمع بين الفن والثقافة والبيئة، كأنه عروس ترتدي فستان الوعي، تتراقص بين الأصالة والحداثة، تدعو الزائر والمقيم للتأمل في قيمة قطرة ماء، ونبضة تراث، وضحكة طفل. فما الذي يجعل هذا المهرجان أكثر من مجرد تظاهرة موسمية؟ وكيف يمكن للكلمة والفن أن يزرعا وعيًا ينبت في القلوب قبل الأرض؟
إيقاع الثقافة ينبض بالحياة
المهرجان، الذي تنظمه جمعية منتدى إفران للثقافة والتنمية بشراكة مع عمالة إفران والمجلس الإقليمي وجماعة إفران ومجلس جهة فاس-مكناس، ليس مجرد مناسبة تحتفي بالفن، بل هو منصة تحمل رسالة عميقة. يتجلى ذلك في اختيار شعار الدورة السابعة، الذي يضع الماء في صلب الحوار الإنساني. في زمن تتقلب فيه الأنواء وتتحدى الجفاف صمود الأرض، يأتي المهرجان ليذكّرنا بأن الماء ليس مجرد مورد، بل هو شريان الحياة الذي يربط بين الإنسان والطبيعة، بين الماضي والمستقبل.
البرنامج المتنوع يعكس هذا التناغم، حيث تمتزج الحفلات الموسيقية التي تجمع نجومًا مغاربة ودوليين بكرنفالات الأطفال التي ترسم البسمة وتزرع الوعي. إنه احتفاء بالحياة، حيث يتمايل الجمهور على إيقاع الأغنية، بينما يتأمل في عمق الرسالة: كيف نحافظ على هذا النبع الذي يروي أحلامنا؟
يوم دراسي: اقتصاد الماء في قلب النقاش
في خطوة تجمع بين العقل والوجدان، يخصص المهرجان يومًا دراسيًا بعنوان “اقتصاد الماء”، يناقش سبل ترشيد هذا المورد الحيوي في ظل التحديات المناخية. ليس الحديث هنا عن أرقام وإحصاءات فحسب، بل عن رؤية تجمع بين العلم والواقع، حيث يلتقي الفلاحون ذوو الخبرة مع التقنيات الحديثة لعرض أساليب الري المستدام. معرض فلاحي مصغر يرافق هذا الحدث، كأنه لوحة حية تعرض إبداع الإنسان في مواجهة تقلبات الطبيعة، وكأن الأرض نفسها تتحدث بلغة الابتكار.
التراث الأمازيغي: قصائد تحمل همّ الماء
في قلب المهرجان، يتألق البعد الثقافي الأمازيغي، حيث تتحول الكلمات إلى أناشيد تحمل رسائل الوعي. أمسية شعرية باللغة الأمازيغية تجمع شعراء المنطقة، يتغنون بقصائد تروي قصة الماء، وتحذر من لهيب حرائق الغابات، وتدعو إلى نظافة المواقع السياحية. هذه القصائد ليست مجرد كلمات، بل هي أنفاس شعب متجذر في أرضه، يحمل همّ الطبيعة كما يحمل همّ هويته.
اللافت أن أكثر من 90% من المشاركين في المهرجان هم من أبناء إقليم إفران والجهة، في إشارة واضحة إلى التزام المنظمين بإبراز المواهب المحلية. إنه احتفاء بالجذور، كأن الأرض نفسها تُغني بصوت أبنائها، وكأن كل قصيدة هي وعد بالحفاظ على تراثٍ هو كنز الأجيال
مسابقة الطبخ: سمك التروتة نجم المائدة
ولأن الثقافة لا تكتمل دون نكهة التقاليد، يخصص المهرجان مسابقة وطنية لفن الطبخ المغربي، تركز على أطباق “سمك التروتة”، الذي يمثل رمزًا للمنتوج المحلي. هذه المسابقة ليست مجرد عرض لمهارات الطهي، بل هي دعوة للتأمل في غنى الموارد الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، وكيف يمكن أن تتحول إلى جسور تربط بين الاقتصاد والثقافة. إنها دعوة لتذوق التراث، كأن كل طبق يروي حكاية إفران.
رياضة وفرح: إيقاع الحياة يتجدد
لا يكتمل المهرجان دون إيقاع الحركة والحيوية. فقد خصص المنظمون برنامجًا رياضيًا غنيًا يضم مسابقات في كرة القدم، الكرة الطائرة، والرماية، لتجمع بين متعة المنافسة وروح الفريق. هذه الأنشطة ليست مجرد فعاليات ترفيهية، بل هي تعبير عن حيوية المجتمع المحلي، كأن الجسد والروح يتعانقان في ملعب الحياة، يتحديان الصعاب ويرسمان الأمل.
كرنفالات الأطفال: بذور المستقبل
ولأن الأطفال هم نبض المستقبل، يحتضن المهرجان كرنفالات فنية مخصصة لهم، تمزج بين الفرح والتوعية. إنها لحظات يتحول فيها الضحك إلى وعي، واللعب إلى تعلم، كأن كل ابتسامة طفل هي وعد بغدٍ أكثر إشراقًا. هذه الفعاليات ليست مجرد تسلية، بل هي استثمار في جيل يحمل راية الحفاظ على الماء والطبيعة.
الماء والتراث.. مسؤولية الجميع
يأتي المهرجان الدولي في دورته السابعة ليذكّرنا بأن الماء ليس مجرد قطرة تسقي الأرض، بل هو نبض الحياة الذي يربط بيننا وبين جذورنا. إنه دعوة للتأمل في مسؤوليتنا تجاه هذا الكنز، وفي قيمة التراث الأمازيغي الذي يحمل في طياته حكمة الأجداد. لكن، أيها القارئ، كيف يمكننا أن نحمل هذه الرسالة خارج حدود المهرجان؟ كيف نجعل من كل يوم احتفاءً بالماء والتراث؟ وكيف نزرع في قلوب أبنائنا حب الأرض وغيرتها؟
• الناشر



إرسال التعليق