ميدايز طنجة.. اختتام الاشغال برفع توصيات الجنوب الى منصة العالم.
في طنجة، اختتمت اشغال منتدى ميدايز وكأنها لحظة تعيد رسم خرائط غير مرئية بين دول الجنوب والشمال. اربعة ايام من نقاشات عميقة، احتضنتها مدينة تعرف جيدا معنى عبور التاريخ ومعنى ان يكون للجنوب صوت ووزن ووجهة. وفي ظل عالم يتآكل فيه اليقين وتكبر فيه الفجوات بين الدول، بدا المنتدى كنافذة مفتوحة على اسئلة المرحلة، وعلى الحاجة الى اعادة ابتكار المعادلة العالمية بما ينسجم مع قدرة الانسان على اعادة ترتيب العالم كلما اضطرب ميزانه.
منسوب النقاش في هذه الدورة كان مختلفا. المتدخلون، من كبار المسؤولين وقادة الدول والخبراء، لم يأتوا لرفع شعارات دبلوماسية عابرة، بل ليضعوا امام العالم ادلة قاطعة على ان الجنوب لم يعد ذلك الفضاء الذي ينتظر وصفات جاهزة او دعما مشروطا. الجنوب اليوم، كما قال رئيس معهد اماديوس ابراهيم الفاسي الفهري، ينظر الى الشمال مباشرة، بثقة لا تعرف ترددات الماضي، وبوعي جديد تشكل عبر عقود من التجربة والاحتكاك والاختبار. وهذا التحول يعزى بالاساس الى دور المغرب في جعل الحوار ثقافة لا واجهة، وفضاء يلتقي فيه المختلفون على ارضية رؤية متبصرة أسس لها جلالة الملك محمد السادس في مسار طويل من بناء الجسور لا الجدران.
وقد بدت القارة الافريقية، في كلمات المتدخلين، كقارة تتغير من داخلها قبل ان تتأثر بما يجري حولها. رؤساء دول ووزراء اشاروا الى ان مصائر القارة مترابطة، وان امنها جزء من امن العالم، وان انتقالاتها الرقمية والمناخية لن تتحقق ما لم تشمل الجميع. هناك احساس متزايد بأن افريقيا ليست فقط خزانا للموارد، بل مدرسة في الصمود والاحتمال والابداع، وان دولها الصغيرة لم تعد الهشاشة قدرها، بل قوة قابلة للتعزيز متى توفرت الشراكات الحقيقية.
ولم تغب قضية الصحراء المغربية عن مشهد المنتدى، فقد حملت كلمات قادة دومينيكا وسان تومي والنيجر وغيرها تأكيدا جديدا على رسوخ المواقف الداعمة للوحدة الترابية للمملكة، وعلى ان قرار مجلس الامن الاخير رقم 2797 ليس مجرد وثيقة اممية، بل اشارة عميقة الى ان المبادرة المغربية للحكم الذاتي اصبحت قاعدة واقعية للحل، ومرجعية يحترمها المجتمع الدولي. هذه المواقف تعكس نجاح الدبلوماسية المغربية التي باتت نموذجا في الثبات والفاعلية، وفي قدرتها على الجمع بين الشرعية الدولية والقوة الاقتراحية.
لكن المنتدى لم يكن سياسيا فقط، بل كان ايضا اقتصاديا واستراتيجيا وانسانيا. كلمات وزراء الصناعة والشغل تحدثت عن ضرورة ان تؤمن افريقيا بقدراتها الذاتية، وان تتخلص من عقدة انتظار الحلول الخارجية. دعوة جريئة لاعادة التفكير في الاستثمار، في خلق القيمة، وفي كيفية سرد الرواية الافريقية للعالم من دون وسطاء. ومع ذلك، ظل الجوهر واحدا: مستقبل القارة لن يبنيه الآخرون، بل يبنيه ابناؤها حين يتقاطع الطموح مع العمل، والرؤية مع الارادة.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق