وجدة : ندوة تضع مغرب الوعي يصعد الى المنصات ويرتفع عن السفاسف…
بوجدة التأم فاعلون مدنيون ومسؤولون وخبراء نهاية الاسبوع الماضي لوضع نقطة ضوء جديدة في مسار شفاف يحتاجه الجميع. كانت الندوة كمنصة يراجع فيها الوطن صورته في مرآة صريحة، ويعيد خلالها ترتيب اولوياته بما ينسجم مع روح المواطنة الفاعلة التي يرتفع قدرها كلما ارتفعت الحاجة اليها. وعلى امتداد ساعات اللقاء، كان واضحا ان الحديث عن النزاهة لم يعد ترفا لغويا، بل ضرورة تعادل اهمية الأمن والصحة والتعليم، لان ثقة الناس في مؤسساتهم مرآة تقاس بنظافتها قبل ان تقاس بقوتها.
الدينامية الوطنية التي استحضرها المشاركون كانت تذكيرا بان المغرب شهد خلال العقدين الاخيرين توسعا لافتا في مساحة المشاركة المدنية، وفتحا لابواب التقييم والتتبع امام المواطن. وهذا التحول، الذي جاء مدعوما بارادة سياسية ظهرت معالمها في التوجيهات الملكية، جعل من المجتمع المدني شريكا لا متفرجا، ومن المواطن رقيبا لا متلق فقط للقرارات.
ولان مكافحة الفساد مسؤولية تتجاوز المؤسسات الحكومية، فقد شدد المتدخلون على ان الوعي هو خط الدفاع الاول. وعي المواطن بواجب التبليغ، ووعي الفاعلين المدنيين بضرورة بناء جسور التعاون، ووعي المؤسسات بضرورة الانفتاح وتطوير آليات المساءلة. ومن هنا برزت الدعوة الملحة لتعزيز البرامج التربوية والمبادرات المجتمعية التي تغرس قيم النزاهة في سلوك الافراد قبل ان تنعكس على قرارات الادارة.
النقاش توسع ليشمل الاطار القانوني، من الصفقات العمومية الى تنازع المصالح والاثراء غير المشروع. وكانت المداخلات تشير الى ان المعركة معقدة، لكنها ليست مستحيلة، وان المؤسسات الدستورية من وسيط المملكة الى المجلس الوطني لحقوق الانسان، ومن الجماعات الترابية الى الهيئات الرقابية، كلها تشكل اجزاء في منظومة واحدة هدفها ترسيخ الثقة بين المواطن والادارة، وتحويل الحكامة الجيدة من شعار الى ممارسة يومية.
واذا كانت هذه الندوة امتدادا لسلسلة لقاءات جهوية بدأت في الجديدة والقنيطرة واكادير، ثم ندوة وطنية بارزة بالرباط، فهي تعكس مسارا اصلاحيا لم يعد قابلا للتراجع، خصوصا بعد دستور 2011 والاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد. ذلك ان المغرب اليوم يقف عند عتبة جديدة، حيث يصبح نجاح السياسات رهينا بقدرة الجميع على المشاركة والمسؤولية المشتركة.
غير ان الرسالة الاعمق التي خرج بها الحاضرون لم تكن تقنية ولا قانونية، بل كانت انسانية في جوهرها: نجاح الامة لا يقاس بالماديات وحدها. فالازدهار الحقيقي ينشأ حين تتصالح الارادة مع القيم، وحين يتكامل النجاح المادي مع النجاح المعنوي الذي ينهل من المعاني السامية، وهذا التكامل لا يتحقق الا بالنية الحسنة في التخطيط للمشاريع، وبالصدق العملي في تنفيذها، وبوعي جماعي يدرك ان النزاهة ليست شعارا، بل روحا تصنع العدالة.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق