تكريم حفظة كتاب الله في تاونات
لحن الروح ونبض الأصالة
في تاونات، حيث تتجلى الأصالة المغربية في بساطتها الساحرة، تجمع الناس تحت راية القرآن الكريم، يحتفون بحفاظه كما يحتفي الفلاح بثمرة شجرته بعد موسم صبر وكدّ.
في قرية المكانسة، جاب موكب مهيب الشوارع، يتقدمه شباب على صهوات الخيل، يحملون في قلوبهم كلام الله، وفي أصواتهم أناشيد تعانق السماء. لم يكن هذا المشهد مجرد احتفال عابر، بل لوحة حية تنبض بالروحانية، تجمع بين الماضي العريق والحاضر الواعد، يسألنا: كيف يمكن لكتاب الله أن يظل نبضًا حيًا في حياة الأمة؟
. هذا الموكب، الذي قاده الإمام عبد الحفيظ العباوي، لم يكن مجرد استعراض، بل كان تجسيدًا لارتباط المغاربة بكتابهم العزيز، حيث القرآن ليس مجرد كلمات، بل هوية وثقافة ونبض حياة. يقول ابن خلدون في “المقدمة” إن المغاربة تفردوا بمحورية القرآن في نظمهم التعليمية، وهذا الموكب خير شاهد على استمرارية هذا الإرث العظيم.
كلمات تنير القلوب وتبني الأرواح
في قلب الحفل، الذي نظمه المجلس العلمي المحلي بتاونات بالتعاون مع المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية والمديرية الإقليمية للتعليم، كانت الكلمات بمثابة مشاعل تضيء دروب الحاضرين. الدكتور إدريس العباوي، عضو المجلس العلمي، رحب بالجمع الكريم بكلمات تحمل دفء الترحيب وثقل المسؤولية، مشيدًا بهذا الموعد الروحي الذي يجمع الناس على حب القرآن. تلاه الإمام محمد الزعيفري، الذي أدار الفقرات بنشاط يعكس فرحة المجتمع بهذا الإنجاز، مؤكدًا أن مثل هذه المبادرات ليست مجرد احتفالات، بل دعامات لبناء جيل متمسك بقيمه الدينية.
ثم جاءت كلمة الأستاذ عبد الكريم احميدوش، رئيس المجلس العلمي، كمنارة فكرية، حيث أشار إلى مكانة القرآن كمحور لحياة الفرد والمجتمع. لم يكتفِ بالإشادة بالحفاظ، بل دعا إلى إحياء الطرق التقليدية في التحفيظ، التي أثبتت نجاعتها في تثبيت الآيات في الصدور. كلماته لم تكن مجرد خطاب، بل دعوة للتأمل: كيف يمكننا أن نحافظ على هذا الإرث في زمن السرعة والتشتت؟
تلاوات خاشعة وأناشيد تعانق السماء
لحظات الحفل لم تكتمل إلا بتلاوات الحافظين أنس الهيسوف وزيد كليكلة، اللذين قدما آيات القرآن بأصوات تخترق القلوب، كأن الآيات تنزل من جديد. كانت تلاواتهما مزيجًا من الإتقان والخشوع، يذكّرنا بقوله تعالى: *“ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر”*. تلتها وصلة إنشادية بأصوات أئمة المكانسة، تحمل في طياتها فرحة الاحتفاء بالقرآن وأهله، كأن الأناشيد نسيج من نور يعانق الروح.
هذه اللحظات، التي جمعت بين التلاوة والإنشاد، تطرح سؤالًا: هل يمكن للفنون الروحية أن تكون جسورًا لنقل القيم إلى الأجيال الجديدة؟ وكيف يمكننا أن نجعل من القرآن لغة حية تتفاعل مع واقعنا؟
تتويج الجهد وتكريم الصبر
بلغ الحفل ذروته بتوزيع الجوائز التشجيعية على الحافظين والمتفوقين دراسيًا من طلاب الثانوية التأهيلية الإمام البخاري. لم تكن الجوائز مجرد هدايا مادية، بل رمزًا لتقدير المجتمع لصبرهم ومثابرتهم. كل جائزة كانت بمثابة وعد بمستقبل يحمل القرآن في صدره، وكل تكريم كان إشارة إلى أن المجتمع لا يزال يقدّر أهل العلم والقرآن. وفي لحظة روحية خالصة، رُفعت الأكف بالدعاء لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، وللأسرة الملكية، وللشعب المغربي، وللمسلمين في أرجاء العالم، في مشهد يعكس الوحدة والانتماء.
وكخاتمة نقول ان احتفالية تاونات لم تكن مجرد مناسبة عابرة، بل رسالة حية تؤكد أن المغرب، بجذوره العميقة وتقاليده العريقة، لا يزال يحتضن كتاب الله كما تحتضن الأم ولدها. إنها رسالة موجهة لكل قارئ يحمل همّ الكلمة النبيلة. فالقرآن ليس مجرد كتاب يُحفظ، بل دستور حياة يُعاش، ومسؤولية تُحمل. لأن في كل آية نور، وفي كل تكريم مسؤولية، وفي كل خطوة نحو القرآن خطوة نحو أنفسنا.
• الناشر



إرسال التعليق