تازة.. التعاونيات تتكلم بلغة الكرامة والتنمية
من تمكين الشباب إلى بناء اقتصاد اجتماعي بروح جماعية
نظمت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية بتازة لقاءً تواصليًا أعاد الاعتبار لفكرة التعاون نفسها، لا كصيغة قانونية، بل كقيمة إنسانية، وكرهان وطني يليق بجسامة المرحلة.
فالعرض الذي قدمه قسم العمل الاجتماعي لم يكن مجرد استعراض لتقارير أو أرقام، بل كان خريطة لمسار وطني يسعى إلى تحسين الدخل، ليس بإلقاء المال من علٍ، بل بإشراك الإنسان في عملية الإنتاج ذاتها، وبتجذير ثقافة الاعتماد على النفس دون الانفصال عن محيطه الجماعي.
لقد بدا جليًا من خلال المداخلات أن “البرنامج الثالث” للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ليس مجرد بند من بنود حكومية، بل هو أداة لإعادة الاعتبار للطاقات المحلية، وخاصة الشباب، باعتبارهم طرفًا منتجًا لا مجرد “ملف اجتماعي” يُفتح في أوقات الأزمات.
التعاونيات… اقتصاد يسكنه الإنسان
من الصناعة التقليدية إلى الفلاحة، ومن المشاريع الصغيرة إلى الحرف الأصيلة، لا تكاد زاوية من زوايا الإقليم إلا وتنبض بمحاولة ما، وبمشروع يؤمن أصحابه أن رزقهم لا يأتي صدفة، بل يُصنع بإرادة وعرق ومعرفة.
وكان لافتًا في كلمات الحاضرين ما أشار إليه عمر منعم، ممثل مكتب تنمية التعاون بجهة فاس مكناس، حين ذكّر بالدور الحقيقي للتعاونيات، ليس فقط في دعم الاقتصاد الوطني بنسبة تفوق 2% من الناتج الداخلي الخام، بل في تثبيت قيم التضامن، وإعادة الاعتبار للعمل المشترك كرافعة معنوية واقتصادية في آنٍ معًا.
فاللقاء لم يكن احتفالًا بالإنجاز بقدر ما كان تمرينًا على الوعي بالتحديات، وفتحًا لنقاش جماعي حول كيفية تجاوز الإكراهات، سواء في التمويل أو التسويق أو في الإجراءات التنظيمية التي لا تزال تُثقل كاهل العديد من المبادرات الفتية.
مقاولات صغيرة… بأحلام كبيرة
استعرض اللقاء عددًا من التجارب الميدانية، التي وإن كانت “محلية” في ظاهرها، إلا أنها تحمل في جوهرها قابلية للتوسّع والنمو، شرط أن يتوافر لها التأطير المناسب، والشراكات المتكاملة، والإيمان الجماعي بأن “النجاح ليس مشروع فرد بل قضية مجتمع”.
فالمبادرة الوطنية لم تكتفِ بمد يد التمويل، بل وضعت على الطاولة المواكبة التقنية، والتكوين المستمر، وتبادل التجارب الناجحة، لتُخرج التعاونيات من حيز “الموسمية” إلى فضاء “الديمومة”، ومن حقل “البقاء” إلى مشروع “التمكين”.
الاقتصاد التضامني… حين تمتد اليد لا لتأخذ، بل لتُعين
الجميل في هذه الدينامية ليس فقط نتائجها الاقتصادية، بل الروح التي تسكنها. إذ تبدو التعاونيات اليوم كمختبر اجتماعي يُعيدنا إلى جمالية البدايات: حيث يُبنى الشيء جماعيًا، ويُحتفى به جماعيًا، ويُحافظ عليه كجزء من الرصيد القيمي لا فقط كبضاعة تُباع.
فالاقتصاد التضامني، كما تبيّن في هذا اللقاء، ليس بديلاً للسياسات الاقتصادية الكبرى، بل هو مكمّل لها، ومصحّح لها أحيانًا، لأنه يُعلي من شأن الإنسان لا كأداة إنتاج، بل كقيمة عليا تستحق أن يُبنى الوطن حولها.
من تازة… رسالة للوطن كله
من هذه المدينة ذات العمق التاريخي، تخرج رسالة ليست خاصة بإقليم، بل ببلد بأكمله: التنمية ليست شعارات، بل قرارات تُنفذ، ومبادرات تُدعم، وأحلام تُرافق.
والتعاونيات، بما تحمله من روح تعاضدية، تذكّرنا أن الوطن لا يُبنى بالسياسات فقط، بل بالمحبة، والنية الصافية، والعَرق المشترك، وأن “الكرامة الاقتصادية” تبدأ حين يشعر الإنسان أن جهده محترم، ومشروعه مسموع، وخطوته على الأرض مرئية.
سؤال إلى القارئ الكريم…
هل نُدرك حقًا أن الاقتصاد التضامني ليس فقط حلا اقتصاديا، بل رسالة أخلاقية؟
هل آن لنا أن نعيد النظر في نظرتنا للتعاونيات، لا كمشاريع “محدودة الطموح”، بل كأدوات مقاومة ناعمة للهشاشة، وللانتظارية، وللخوف من الحلم؟
وهل نحن مستعدون، كمواطنين، أن نُشعل شمعة التعاونيات بدل أن نلعن الظلام، بأن نؤمن بمبادراتنا الصغيرة، ونتقاسم نجاحاتها، ونحتضن فشلها أحيانا لتقوم من جديد ؟
• الناشر



إرسال التعليق