عراقة تمتدّ بثقل الحجر والطين: فاس-مكناس.. الصناعة تقليدية : نبض المستقبل
الركائز الراسخة
تشير الأرقام إلى أن صادرات الصناعة التقليدية من جهة فاس-مكناس بلغت 143 مليون درهم عام 2024، وهو رقم يطل على بوابة تحوّل حضاري. القطاع ليس نشاطًا تجاريًا فقط، بل جسدٌ حيٌّ له صلة بالذاكرة الجماعية، يرتشف من رحيق ماضٍ يعود إلى قرون .
من ورشة الحرفي إلى مشروع إقليمي
ضمن برنامج التنمية الجهوي (2022–2027)، خصّصت الجهة 715 مليون درهم لـ23 مشروعًا هيكليًا. الفكرة هي بناء بنيانٍ متعدّد الأضلاع: من صون إرث الأجداد إلى تجهيز مدارس حرفية، وإنشاء محطات لمعالجة الطين، وتمكين البنى التحتية، وحتى منح شهادة الأصالة الجماعية .
أمثلة على الاستثمارات:
مدرسة وطنية للفنون التقليدية بفاس (96 مليون درهم)، مع توسعة المعهد المتخصص (21 مليون).
إنشاء مشغل دائم للصناعة التقليدية (50 مليون)، ومنطقة أنشطة حرفية بعين البيضاء (30 مليون) تشمل النحاسيات والزليج.
محطة معالجة الطين وتجهيز أفران غازية بتكلفة 108.6 مليون.
مشاريع في بولمان وصفرو ومكناس، تشمل تأهيل مدابغ ومجمعات حرفية بـ6 إلى 20 مليون .
دعم الاقتصاد التضامني بـ56 مليون ضمن برامج موجهة.
الإنسان في قلب المؤسّسات
ليس الهدف بناء مصانع فحسب، بل إحياء الحِرفة نفسها. مشروع “كنوز الحرف المغربية” وضع شهادات للتراث الشفهي، وتدريب 100 متدرّب مع معلمين حرفيين بأجور مستقرة .
ومع توقيع اتفاقيات تمويل مع الألمانية لتنمية المعاهد الفنية، يترسّخ توجه جادّ نحو منهجية تعليمية قائمة على سوق العمل .
تراث ملموس ومتجدد
كيف لا ونجد في فاس المدينة العتيقة—أكبر مدينة إسلامية خالية من السيارات—قلعةً حاملة لأعظم مدرسة للفسيفساء والزليج، ودارًا لحِرفٍ ظلّت تتوارث الأسرار منذ العصور المرينية .
ومع إنشاء مناطق حرفية جديدة في عين البيضاء وبنجليق، يُعزَز التوازن بين الحفاظ على روح المكان وفتح آفاق العصر.
التجاور مع المنظومة الاقتصادية
استضافت الجهة مؤخّرًا “منتدى فاس-مكناس الاقتصادي 2025”، مؤسّسة بذلك منصة لتعاون الشركات المحلية والعالمية وترسيخ فرص الشغل . ويأتي هذا تماهيًا مع تصور المنطقة كمركز إنتاج وصناعة تعتمد على شبكة لوجستية وطنية تتداخل فيها الطرق السريعة و”الميناء الجاف” لمحطة بنسودة .
مع القارئ في لحظة مساءلة
في هذا المشهد المتقن، يمخرُ المشروع المجتمعي الطريق، واثق القلب، أمين الشفافية. كل درهم يستثمر في مادّة تُحْمل اسم الإنسان. أين؟ في شفاه الحرفي، في نغمة الميزان الاجتماعي، في ضوء الزليج ،وفوق الريشة الأندلسية.
في النهاية، الصناعة التقليدية هنا ليست مشروعًا إنشائيًا فقط، بل نبض إنساني وروحي. هي شهادة نعتز بها على أكتاف الحرفي، لتبقى فاس-مكناس منارات قيمة، أبدية في الحرف، قوية في الفكر، مضيئة أمام الغد.
• الناشر



إرسال التعليق