زيارة فاس: حلة إيمانية تجمع السنغال بالمغرب في نسيج من الروحانية والتاريخ
في مدينة فاس، حيث يمتزج عبق التاريخ بأنفاس الروح، تتجدد كل عام رحلة إيمانية تجمع القلوب قبل الأجساد. من داكار إلى ضريح الشيخ أحمد التيجاني، تنطلق قوافل المريدين، لا لمجرد زيارة مكان، بل لاستحضار جذورٍ ضاربة في عمق التاريخ، وروابطٍ تجمع السنغال بالمغرب في نسيجٍ من الإيمان والأخوة. إنها “الزيارة”، تلك الرحلة التي تتجاوز الحدود الجغرافية لتصبح جسراً روحياً، يحمل في طياته قصص الأجداد وأحلام الأحفاد. فما الذي يدفع الآلاف من السنغاليين لعبور البحار والبراري ليحطوا الرحال في فاس؟ وكيف تحولت هذه العادة من تقليد نخبوي إلى ظاهرة شعبية تعانق الجماهير؟
من النخبة إلى الشعب: تحول الزيارة إلى ظاهرة إيمانية
كانت “الزيارة” في بداياتها، منذ عام 1922، محصورة في نخبة من العلماء والمريدين، يحملون في قلوبهم شغفاً بالشيخ أحمد التيجاني، مؤسس الطريقة التيجانية التي شكلت جزءاً من الهوية الروحية للسنغال. لكن الزمن كشف عن قدرة هذا التقليد على التجدد والتوسع. منذ ثمانينيات القرن الماضي، بدأت بوادر تحولٍ شعبي، لتتسع دائرة المشاركين مع انطلاقة العام 2012، مدفوعة بانخفاض تكاليف الرحلات الجوية بين داكار والمغرب، وتنامي السياحة الروحية التي باتت إحدى دعائم الاقتصاد الثقافي.
اليوم، لا تقتصر “الزيارة” على المريدين التقليديين، بل أصبحت ملتقى لكل من يبحث عن معنى أعمق لوجوده، عن صلةٍ بالجذور، وعن لحظة تأملٍ في مدينةٍ تتنفس التاريخ. وكأن فاس، بزقاقها الضيقة وأسواقها العابقة بالماضي، تحولت إلى قبلةٍ للقلوب التواقة إلى الاتصال بالمقدس.
دبلوماسية الروح: روابط تاريخية لا تنقطع
لم تكن “الزيارة” يوماً مجرد طقس ديني، بل هي تعبير عن دبلوماسية روحية تربط بين شعبين شقيقين. فعندما منح الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، الحجاج السنغاليين إقامة دار الكتاني، لم يكن ذلك مجرد لفتة كرم، بل رسالة رمزية تعكس عمق الصلة بين المغرب والسنغال. هذه الروابط، التي نسجها المرابطون منذ قرون، وعززها علماء أمثال الحاج مالك سي والشيخ إبراهيم نياس، لا تزال حية، نابضة، كشجرةٍ جذورها في الأرض وأغصانها تمتد إلى السماء.
يقول السيد محمد المختار دي، من المعهد الإسلامي في داكار: “الزيارة ليست مجرد واجب ديني، بل هي تجديد لعهدٍ قديم، وتأكيد على وحدةٍ روحية وثقافية تجمع الأمتين”. وكأن كل خطوة يخطوها الزائر في شوارع فاس هي ترانيم تردد أصداء التاريخ، وتوقظ في النفس إحساساً بالانتماء إلى أمةٍ واحدة، موحدةٌ بالإيمان والقيم.
سياحة الروح: من الطقس إلى التجربة الإنسانية
في زمنٍ باتت فيه السياحة مرادفاً للترفيه، برزت السياحة الروحية كبعدٍ آخر، يقدم تجربةً أعمق، أكثر إنسانية. وكالات السفر السنغالية، التي تنظم رحلاتٍ لمدة أسبوع إلى فاس، لا تقدم مجرد تذكرة طيران وإقامة، بل تجربةً شاملة تتزامن مع الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف أو “غامو”، تلك المناسبة التي تجمع السنغاليين في فرحةٍ إيمانية.
لكن ما يميز هذه الرحلات هو قدرتها على جمع الناس من خلفياتٍ متنوعة، ليس فقط المريدين التقليديين، بل أيضاً الشباب الذين يبحثون عن هويةٍ في زمن التمزق، وكبار السن الذين يسعون إلى السكينة. وكأن فاس، بمساجدها ومدارسها القديمة، تقول لكل زائر: “هنا مكانك، هنا جذورك، هنا تستطيع أن تكون”.
جامعة القرويين ومؤسسة محمد السادس: منارات العلم والروح
لا يمكن الحديث عن “الزيارة” دون الإشارة إلى دور المغرب كمركزٍ للعلم والروحانية. جامعة القرويين، التي ظلت لقرون منارةً للمعرفة، فتحت أبوابها للعلماء السنغاليين، فكانت ملتقى لتبادل الأفكار والتجارب. وفي السنوات الأخيرة، جاءت مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة لتعزز هذا الدور، موفرةً منصةً للحوار والتكوين، ومرسخةً فكرة أن العلم والإيمان وجهان لعملةٍ واحدة.
كما أن الدروس الحسنية، التي تجمع العلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، تظل شاهدةً على التزام المغرب بدعم الروابط الروحية والفكرية. هذه المؤسسات ليست مجرد هياكل، بل هي جسورٌ تربط بين الشعوب، وتذكرنا بأن الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يجمع، لا يفرق.
خاتمة: دعوة إلى التأمل والمسؤولية
في زمنٍ تتصارع فيه الهويات، وتتزاحم فيه الأصوات، تبقى “زيارة” فاس رمزاً للوحدة، للإيمان الذي يتجاوز الحدود، وللروابط التي لا تقطعها المسافات. إنها دعوةٌ لكل واحدٍ منا ليتأمل في جذوره، في قيمه، في دوره في الحفاظ على هذا الإرث الإنساني النبيل.
فما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه الرحلة الروحية؟ كيف يمكن لكل منا أن يحمل مشعل الكلمة النبيلة، ويزرع بذرة الوعي في مجتمعه؟ وكيف نستطيع، كأفراد وجماعات، أن نحافظ على هذا النسيج الرقيق من القيم والروابط، دون أن ندع الزمن أو التحديات تمحو خطوطه؟
لنكن جميعاً، كما كان الزائرون إلى فاس، حراساً على الجذور، بناةً للجسور، وحاملين لرسالة الإيمان والأخوة. ففي كل خطوةٍ نخطوها نحو الآخر، نحن نكتب فصلاً جديداً في قصة أمتنا، قصةً لا تنتهي، لأنها مكتوبة بحبر الروح.
* الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”
* annachir.com
chabab.presse@gmail.com


إرسال التعليق