فاس تتوهج من جديد: رحلة إعادة إحياء الروح السياحية لعاصمة المغرب الروحية
مدينة تنبض بالحياة تحت عباءة التاريخ
في قلب المغرب، حيث تتزاوج الأزمنة وتتعانق الحضارات، تقف فاس شامخة، كأنها سيدة عريقة تروي حكايات ثلاثة عشر قرنًا من التاريخ. اليوم، تحت شعار “توهج فاس” (Shining Fès)، ينفض المكتب الوطني المغربي للسياحة الغبار عن هذه الجوهرة، ليعيد إليها بريقها العالمي. عملية طموحة، تتجاوز الترويج السياحي إلى استعادة هوية وطنية، تحمل في طياتها غيرة على تراث الأجداد وشغفًا بمستقبل يليق بمكانة فاس. فهل تكون هذه العملية بوابة إحياء لعاصمة المغرب الروحية؟ وكيف ستستعيد فاس عرشها كواحدة من أجمل الوجهات السياحية في العالم؟
“توهج فاس”: خطة طموحة لاستعادة المجد
عملية “توهج فاس” ليست مجرد حملة ترويجية، بل رؤية استراتيجية تتكئ على التعاون بين المكتب الوطني المغربي للسياحة، المجلس الجهوي للسياحة لجهة فاس-مكناس، والسلطات المحلية. الهدف؟ رفع فاس-مكناس إلى مصاف أفضل ثلاث وجهات سياحية وطنية، ومن ثم إشعاعها عالميًا. يقول أحمد السنتيسي، رئيس المجلس الجهوي للسياحة، إن هذه الخطة تأتي امتدادًا لجهود سابقة، لكنها اليوم تتجلى بزخم غير مسبوق، يرتكز على التسويق الذكي، التواصل الإعلامي، وتعزيز الربط الجوي.
الخطة تنقسم إلى شقين رئيسيين: التسويق والتواصل، الذي بدأ يؤتي أكله عبر إشعاع إعلامي واسع، والربط الجوي،. فاس، بمطارها الرئيسي “فاس سايس”، تطمح لأن تكون بوابة مفتوحة للعالم، تستقطب الزوار من أسواق جديدة ككوريا الجنوبية، هولندا، وبلجيكا، إلى جانب الأسواق التقليدية كفرنسا وإسبانيا.
إعلام عالمي ينير سماء فاس
كيف تجعل العالم يرى فاس بعيون جديدة؟ الإجابة تكمن في قوة الإعلام. فقد استضافت الجهة صحفيين من بريطانيا، مؤثرين من كوريا الجنوبية، ووفودًا من البرتغال وإسبانيا، ليروا بأعينهم سحر المدينة التي تأسست قبل 1200 عام. قنوات عالمية مرموقة مثل *TF1*، *Antenne 2*، *TV5 Monde*، و*M6*، نقلت للعالم صورًا مبهرة لفاس، من فن الطبخ الفاسي الذي استضافه وثائقي على *TV5 Monde*، إلى مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، الذي يجمع أنغام الروح والتاريخ.
هذا الإشعاع الإعلامي ليس مجرد صورة عابرة، بل هو شهادة على عمق فاس الحضاري. المدينة التي تحتضن 40% من المآثر التاريخية في المغرب، من أسواقها العابقة برائحة التوابل إلى مدابغها التقليدية، تقدم نفسها اليوم كوجهة تجمع بين الأصالة والحداثة.
الربط الجوي: التحدي الكبير
لكن، كما يقول المثل، “الجمال لا يكفي إذا لم تصله العيون”. الربط الجوي يبقى العقبة الكبرى أمام طموح فاس. مطار فاس سايس، رغم موقعه الاستراتيجي، يحتاج إلى تعزيز الرحلات الدولية ليصبح بوابة حقيقية للجهة. المكتب الوطني المغربي للسياحة يعمل بجد لاستقطاب شركات الطيران، دولة بدولة، ووجهة بوجهة، مما يعزز الأمل في تحقيق قفزة نوعية.
مؤهلات فاس-مكناس: كنز ينتظر الاكتشاف
فاس-مكناس ليست مجرد جهة، بل هي لوحة فنية مرسومة بألوان التاريخ والطبيعة والثقافة. فاس، العاصمة الروحية، تحتضن أسواقًا تنبض بالحياة ومدارس دينية تحكي قصص العلم والمعرفة.و مكناس، بتراثها الإمبراطوري وموقع وليلي الأثري، تضيف إلى الجهة عمقًا حضاريًا. إفران، التي تُلقب بسويسرا المغرب، تأسر الزوار بمناظرها الطبيعية الساحرة، بينما تضيف مولاي يعقوب لمسة استشفائية بمحطتها الطبيعية، التي تُعد الأجمل في إفريقيا.
هذا التنوع يجعل الجهة مرشحة بقوة لتكون وجهة سياحية شاملة. الخطة الطموحة تهدف إلى رفع متوسط إقامة السياح من ليلتين إلى فترات أطول، عبر تشجيعهم على استكشاف ليس فقط فاس، بل مكناس، إفران، صفرو، وتازة. هذا التنوع، هو مفتاح استعادة مكانة الجهة في المشهد السياحي الوطني والدولي
زخم سياحي يواكب الأحداث الكبرى
فاس لا تتوهج وحدها، بل تستعد لتكون نجمة في سماء الأحداث الرياضية الكبرى. مع اقتراب كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030، تشهد المدينة تحولًا شاملًا في بنيتها التحتية، من مشاريع طرقية إلى تطوير الفنادق والمرافق. هذه الدينامية، التي يقودها تعاون وثيق بين الفاعلين المحليين والوطنيين.
خاتمة
المؤشرات الأولية تبشر بالخير: ارتفاع بنسبة 25-30% في عدد السياح على المستوى الجهوي، وزيادة استثنائية بنسبة 117% في السوق الإسبانية خلال أبريل 2025، مع فنادق سجلت نسبة ملء تصل إلى 100%. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل دليل على أن فاس بدأت تستعيد بريقها.
• الناشر



إرسال التعليق