الصناعة التقليدية بجهة فاس مكناس: الحرفة تتكلم بلسان الكرامة والعمل..
تحول المقر الجهوي لغرفة الصناعة التقليدية بجهة فاس مكناس في ذلك الاربعاء الى فضاء اعتراف صريح بوجع الحرفة وامالها معا. هناك حيث التأم لقاء تواصلي جمع اعضاء المكتب الاقليمي للاتحاد العام للمقاولات والمهن بفاس مع مسؤولي غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس مكناس ، ولم يكن النقاش اشبه بمحضر اداري عابر بقدر ما كان اقرب الى جلسة مصارحة حول واقع قطاع يحمل في طياته ذاكرة وطن واقتصاد هوية وكرامة عمل.
الحديث عن الصناعة التقليدية في فاس ومحيطها يشبه الحديث عن جسد حي تتقاطع فيه العروق القديمة مع تحديات العصر. فالحرف المعمارية مثل الزليج والجبس بدت كأنها تصارع بين اصالة اليد وضغط المكننة وبين نقاء المهارة وفوضى عدم احترام الاختصاصات. اما قطاع الدباغة فكان كمرآة تعكس بوضوح ثمن الاهمال حين تغيب وسائل الوقاية وتنعدم اليات نقل الجلود وتتراكم المخاطر الصحية والمهنية على كاهل حرفيين الذين يشتغلون في صمت.
قضية الجودة حضرت بقوة في النقاش وكأنها حجر الزاوية لكل اصلاح ممكن. جودة المواد الاولية وجودة التكوين وجودة الممارسة نفسها. فحين يضعف التكوين الاساسي ويغيب التكوين المستمر يصبح الحرفي محاصرا بين سوق لا يرحم ومنافسة لا تعترف بالتاريخ. ويزداد الامر تعقيدا مع غياب التامين والسلامة المهنية وضبابية افق التقاعد والدعم الاجتماعي مما يجعل الاستقرار المهني حلما مؤجلا لالاف الصناع التقليديين.
في هذا السياق جاء تفاعل رئيس الغرفة ايجابيا وعمليا وهو يصغي للمطالب ويقترح حلولا استراتيجية تروم الارتقاء بمختلف القطاعات المهنية الى المستوى المنشود. كأن الرؤية المطروحة تحاول نقل الصناعة التقليدية من منطق التدبير الظرفي الى افق التخطيط المستدام عبر تنسيق الجهود مع مختلف الاطراف المتدخلة وتحسين الوضع السوسيو اقتصادي للحرفيين باعتبارهم القلب النابض لهذا القطاع.
غير ان ما بين سطور هذا اللقاء يتجاوز المطالب التقنية ليطرح سؤالا اعمق حول موقع الصناعة التقليدية في المشروع المجتمعي ككل. هل ننظر الى الحرفة كتراث جامد ام كطاقة حية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل وحفظ الكرامة؟ وهل يمكن تحقيق نجاح حقيقي اذا اقتصر على الارقام وتجاهل الانسان الذي يصنع بيديه قيمة مضافة وهو يفتقد شروط الامان والاستقرار؟
ان النهوض بالصناعة التقليدية يشبه بناء قنطرة بين النجاح المادي والمعنوي حيث لا تنفصل الجدوى الاقتصادية عن المعنى الانساني. فبأي وعي نتعامل مع هذا القطاع؟ وباي نية نخطط لمشاريعه وباي صدق ننفذ وعود اصلاحه؟ اسئلة تبقى مفتوحة امام الرأي العام وصناع القرار لان مغرب الغد لن يبنى فقط بالمشاريع بل بالثقة والشفافية والتقييم والمساءلة كثقافة راسخة. والسلاح الاقدر في هذا المسار يظل الوعي والمعرفة والقيم الاخلاقية التي تجعل من العمل وسيلة للخير المشترك لا غاية معزولة عن الانسان.
• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق