الرباط تحتضن اشغال المؤتمر السابع لشبكة المؤسسات الوطنية لحقوق الانسان في فضاءات الدول الناطقة بالفرنسية
كانتالرباط وهي تحتضن اشغال المؤتمر السابع لشبكة المؤسسات الوطنية لحقوق الانسان في فضاءات الدول الناطقة بالفرنسية كانت مرآة لأسئلة العالم الراهن عاصمة تستقبل وفودا رسمية. داخل مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان وقد اجتمع فاعلون حقوقيون في لحظة دولية مشحونة بالتوترات السياسية والنزاعات المسلحة والتحولات الرقمية المتسارعة وكأن الزمن نفسه يدفع المؤسسات الحقوقية الى اعادة مساءلة ادواتها وادوارها وحدود تأثيرها.
المؤتمر الذي امتدت اشغاله ليومين بدا اشبه بورشة تفكير جماعي حول مصير حقوق الانسان في عالم تتغير فيه موازين القوة وتتشابك فيه المصالح وتتحول فيه الخوارزميات الى فاعل غير مرئي في حياة الافراد والمجتمعات. وفي كلمة الافتتاح شددت رئيسة المجلس آمنة بوعياش على ضرورة ضخ نفس جديد في عمل المؤسسات الوطنية داخل الفضاء الدولي الفرنكوفوني خصوصا في ظل ازمة الموارد المالية التي تضيق الخناق على الفعل الحقوقي وتفرض منطق التعاون وتوحيد الجهود بدل تشتتها. كان حديثها اشبه بنداء عقلاني يدعو الى ترميم جسور العمل المشترك وتعزيز الترافع لدى الدول وصون استقلالية هذه المؤسسات وفعاليتها.
ومن موقعها ايضا كرئيسة لالتحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لفتت بوعياش الانتباه الى ان تقاسم الممارسات الفضلى هو مدخل حقيقي للتأثير في السياسات العمومية وترجمة المعايير الدولية الى واقع ملموس داخل الدول. فالتجربة والخبرة حين تتقاسمان تصبحان قوة ناعمة قادرة على اختراق جدران القرار العمومي وتوجيهه نحو حماية اوسع للحقوق والحريات.
غير ان جوهر النقاش انصب على الذكاء الاصطناعي باعتباره ساحة جديدة للاختبار الحقوقي. فهو كالسيف ذي الحدين يفتح افقا واسعا لدعم عمل المؤسسات الوطنية من حيث الرصد والتحليل واتخاذ القرار لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف عميقة تتعلق بالخصوصية وعدم التمييز وحماية المعطيات الشخصية واحترام الكرامة الانسانية. وقد نبهت بوعياش الى ان عددا من الخوارزميات لا يحترم المبادئ الاساسية لحقوق الانسان مما يجعل دور اليقظة والتنبيه ومساءلة الجهات المنتجة للتقنيات الرقمية واجبا اخلاقيا لا يقبل التأجيل.
في هذا السياق برزت الرقمنة كواقع يفرض بناء جسور تواصل وتنسيق بين المؤسسات الوطنية والمجتمع المدني والخبراء والتقنيين. فالتوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية الحقوق لا يتحقق الا بمقاربات تشاركية تجعل من الاخلاق والبعد الانساني بوصلة للتقدم الرقمي لا ضحيته. ومن المنتظر ان تخرج اشغال المؤتمر بخارطة طريق عملية لتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية على التفاعل مع التحولات الرقمية ووضع اطر اخلاقية وحقوقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل السياسات العمومية.
ويعكس احتضان المغرب لهذا الحدث الدولي التزاما متواصلا بدعم التعاون الحقوقي والحوار بين المؤسسات الوطنية والمساهمة في بلورة رؤى مشتركة تستجيب لتحديات متسارعة لا تنتظر المترددين. غير ان السؤال الاوسع الذي يطرحه هذا النقاش يتجاوز اسوار المؤتمرات ليصل الى المجتمع برمته. كيف نبني مغربا لا يقاس نجاحه بالماديات وحدها بل بتكامل النجاح المادي والمعنوي وبسعادة الفرد والمجتمع معا؟ وكيف نحول الوعي والمعرفة والقيم الاخلاقية الى قوة يومية في التخطيط للمشاريع المجتمعية والصدق في تنفيذها؟
ان الرهان الحقيقي اليوم ليس في امتلاك التكنولوجيا بل في امتلاك البوصلة الاخلاقية التي توجهها. فهل ننجح في جعل الذكاء الاصطناعي وسيلة لخدمة الانسان لا اداة لتهميشه؟ وهل يتحول الوعي الى ثقافة مساءلة لا استثناء لها ومسؤولية جماعية لا شعار عابر؟ تلك اسئلة تظل مفتوحة على ضمير القارئ وصانع القرار معا لان مغرب الغد لن يبنى بالحلم وحده ولا بالواقع العاري بل بتآزر الروح الانسانية مع العزم الاخلاقي في العمل الوطني وجعل النجاح جسرا للخير العام والعطاء المستمر.
• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق