تقييم القوانين التنظيمية للجماعات الترابية: عشر سنوات من الحكامة بين الواقع والطموح
بين ضوء الدستور وظلال التطبيق
في مساء يوم خميس، السادس والعشرين من يونيو 2025، احتضنت القاعة الكبرى لمقاطعة سايس محاضرة علمية بعنوان “تقييم القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بعد مرور 10 سنوات على صدورها”، قدمها الدكتور أحمد بنعمير، مدير مصالح المقاطعة. كانت رحلة تأملية في واقع التجربة المغربية في تدبير الشأن الترابي، حيث تتداخل القوانين مع واقع الممارسة، ويصطدم الطموح بالواقع، ويبرز سؤال عميق: كيف نرعى شجرة اللامركزية لتثمر في ظل تحديات التطبيق؟
الإطار العام: الدستور 2011 ونبض القوانين التنظيمية
انطلقت المداخلة بتسليط الضوء على دستور 2011، الذي شكل نقطة تحول دستورية حقيقية، حيث رسخ مبادئ الحكامة الترابية والديمقراطية التشاركية، وجعل من القوانين التنظيمية أداة لتجميع النصوص المتناثرة، وتوحيدها في إطار قانوني متكامل. هذه القوانين لم تأتِ من فراغ، بل جاءت لتؤطر الجماعات الترابية، وتمنحها آليات واضحة للعمل، مع التأكيد على سمو القضاء في فض النزاعات، مما عزز ثقة المواطن في المؤسسات المحلية.
بين الممارسة والواقع: حكامة شفافة ومسؤولية متجددة
على مدى عقد من الزمن، شهدت الجماعات الترابية تحولات مهمة، حيث ارتقت الممارسة إلى مستوى يحكمه الشفافية والمسؤولية. لكن، كما في كل تجربة بشرية، لم تخلو الطريق من العقبات. أبرزها انقطاع أو امتناع الرئيس أو نوابه عن أداء مهامهم خلال فترة محددة، ما يعطل سير الجماعات، خصوصا الكبرى منها، ويهدد انتظام العمل الديموقراطي. كما برزت إشكالات في احترام آجال إرسال جدول أعمال الدورات الاستثنائية، مما يطرح تساؤلات حول مدى الالتزام بالقواعد القانونية، ومدى وعي الفاعلين بأهمية الوقت في تدبير الشأن المحلي.
المحاور الأساسية للمداخلة: قراءة في الثابت والمتغير
قسم الدكتور بنعمير مداخلته إلى محورين رئيسيين:
– المحور الأول: القواعد العامة المتعلقة بالجماعات الترابية، مع التركيز على المبادئ الدستورية التي تحكمها.
– المحور الثاني:العلاقة بين المجلس الجماعي ومجالس المقاطعات المكونة له، وكيفية التنسيق والتكامل في التدبير.
هذا التقسيم هو محاولة لفهم تعقيدات الواقع الإداري، حيث تتشابك المصالح وتتداخل المسؤوليات، ويبرز دور الحكامة في تحقيق التوازن بين المركزية واللامركزية.
نقاش مفتوح: وعي متجدد ومسؤولية مشتركة
اختتمت المحاضرة بجلسة نقاشية أتاح فيها الدكتور بنعمير للحضور فرصة التعبير عن آرائهم، مما أسفر عن حوار مستفيض، عبّر فيه الجميع عن استحسانهم للمبادرة، ورغبتهم في تنظيم لقاءات مماثلة لتعميق الوعي بقضايا التدبير الترابي. هذا التفاعل يؤكد أن الوعي الجماعي هو حجر الزاوية في بناء مؤسسات محلية قوية، قادرة على مواجهة التحديات، وتحقيق التنمية المستدامة.
الكلمة شرف ومسؤولية
إن قراءة تجربة عشر سنوات من تطبيق القوانين التنظيمية للجماعات الترابية هي تأمل في رحلة وطنية نحو بناء مجتمع ديمقراطي متماسك، حيث تتلاقى القيم الدينية، والروحية، والوطنية في بوتقة واحدة. فهل نحن مستعدون جميعا، كمواطنين وفاعلين، لحمل هم الكلمة النبيلة، والوفاء لشرفها؟ كيف نزرع في نفوس الأجيال القادمة حب الوطن، واحترام القانون، ووعي المسؤولية؟ وهل يمكن أن نرى في كل تحدٍ فرصة للنمو، وفي كل نقد دعوة للإصلاح؟
• الناشر


إرسال التعليق