تكريم الريسوني: عندما يلتقي العلم بالوفاء في حضن الوطن
لحن العطاء يعانق السماء
في زمن تتسارع فيه الأيام، وتتلاشى فيه المعاني النبيلة أحيانًا تحت وطأة الزيف والمظاهر، يأتي تكريم العالم الجليل الدكتور أحمد الريسوني ليوقد شمعة في ليل الإنسانية. هناك، في قلب الدوحة، حيث تلتقي الأصالة بالحداثة، احتفى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برمز من رموز الفكر الإسلامي، ليس فقط لما قدمه من علم، بل لما زرعه من قيم ووسطية وتجديد. كأن التكريم لم يكن لشخص فحسب، بل لفكرةٍ عاشت فيه، فكرة الإسلام الذي ينير العقول ويحتضن القلوب. فلنقرأ سويًا، لا بعيوننا فحسب، بل بقلوبنا، قصة هذا التكريم الذي يشبه لوحة فنية، رسمتها أيادي الوفاء على قماش الأمل.
رحلة عالم: من المغرب إلى قطر وبالعكس
في احتفالٍ مهيب، نظم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حفل تكريم للدكتور أحمد الريسوني، رئيسه الأسبق، تقديرًا لمسيرته الأكاديمية والفكرية التي امتدت عقودًا. الحفل، الذي أقيم في الدوحة، ترأسه الشيخ الدكتور علي محيي الدين القره داغي، رئيس الاتحاد الحالي، وبحضور الأمين العام الدكتور علي محمد الصلابي، إلى جانب نخبة من العلماء والمفكرين. لم يكن الحدث مجرد مناسبة رسمية، بل كان لحظة تأمل في إرث رجلٍ جعل من العلم جسراً بين الأصالة والمعاصرة، وبين الشريعة والواقع.
الدكتور الريسوني، ابن المغرب العريق، حمل في قلبه غيرة على دينه ووطنه، فكان صوته في الاتحاد صوت الوسطية التي لا تعرف التطرف، والتجديد الذي لا ينسلخ عن الجذور. بعد سنوات من العطاء في كلية الشريعة بجامعة قطر، عاد إلى وطنه الأم، المغرب، حاملاً معه أمتعة العلم وميراث الفكر. وكأن عودته ليست عودة جغرافية فحسب، بل عودة إلى الجذور التي غذت فكره وروحه.
إرث الوسطية: ضوء ينير دروب الأمة
الريسوني ليس مجرد اسم، بل رمز لفكرٍ يعانق الحياة. كلمات المديح التي ألقيت في الحفل لم تكن مجاملات عابرة، بل شهادات حية من أناس لامسوا أثر الرجل في عقولهم وقلوبهم. تحدثوا عن دوره في ترسيخ منهج الوسطية، ذلك المنهج الذي يشبه الشجرة الوارفة: جذورها راسخة في تربة الوحي، وأغصانها ممتدة إلى سماء العقل والإبداع. من خلال كتاباته ومحاضراته، نجح الريسوني في بناء جسرٍ بين الماضي العريق والحاضر المتجدد، جسرٍ يمر منه العلماء والطلاب والمفكرون بحثًا عن إجاباتٍ لتحديات العصر.
لم يكن الريسوني مجرد أكاديمي يلقي الدروس، بل كان قائدًا فكريًا، يزرع بذور التفكير النقدي في عقول طلابه، ويرويها بماء الرحمة والحكمة. دوره في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين كان بمثابة البوصلة التي وجهت الأمة نحو فهمٍ أعمق لدينها، فهمٍ يحترم التنوع ويرفض التعصب، يقدس العقل ويحتفي بالروح.
الوفاء ليس كلمة، بل فعل يحيي القلوب
تكريم الريسوني لم يكن مجرد حفل، بل كان رسالة إلى كل عالم ومفكر وطالب علم: إن العطاء الصادق لا يضيع، والكلمة النبيلة تبقى خالدة. في زمنٍ تكثر فيه الأصوات وتضيع فيه الحقائق، يأتي هذا التكريم ليذكرنا بأن الأمة التي تكرم علماءها هي أمةٌ حية، واعية، متمسكة بجذورها وطامحة إلى سمائها. إنه تكريم ليس للريسوني وحده، بل لكل من حمل مشعل العلم وأضاء به دروب الآخرين.
كلمات الشيخ القره داغي في الحفل كانت كالنسمة التي تحمل عبير الزهور، تتحدث عن عالمٍ لم يبخل بعلمه، ولم يتردد في تقديم رؤى تجديدية تحترم الثوابت وتستشرف المستقبل. أما شهادات الحضور، فكانت كلوحاتٍ مرسومة بالامتنان، تعكس صورة رجلٍ جعل من العلم رسالة حياة، ومن الوسطية منهجًا يحتذى.
خاتمة: دعوة لتحمل الراية النبيلة
يا أيها القارئ الكريم، لقد قرأت قصة تكريم، لكنها ليست مجرد قصة، بل دعوةٌ لك لتكون جزءًا من مسيرة العلم والفكر. الدكتور الريسوني لم يكن وحده في هذا الطريق، بل كان محاطًا بقلوبٍ آمنت برسالته، وعقولٍ تبنت فكرته. ونحن، في منصتنا الصحفية، نؤمن أن للخبر وجهًا آخر، وجهًا ينبض بالمنطق والغيرة على الأمة، وجهًا يحترم حقوق الإنسان المادية والروحية، ويحتفي بجمال الفكرة النبيلة. بنينا هذا المقال على أسس الصدق والتحليل العقلي، مزجناه بعاطفة الانتماء للوطن وللقيم الإسلامية العريقة، وأضفنا إليه لمسة من الإبداع ليصل إلى قلبك، لا إلى عينيك فحسب.
فما هو دورك، أيها القارئ، في حمل مشعل العلم؟ كيف يمكنك أن تكون صوتًا للوسطية في عالمٍ يعج بالتطرف؟ وكيف ستزرع بذرة أمل في قلب أمتك؟ دعنا نعمل معًا، لا لنضيء فحسب، بل لنحيي القلوب، ونصلح بالحب، ونبني بالعلم. لأننا، نشرق فلا نحرق، نحب فنصلح
– كيف يمكننا أن نحيي قيم الوسطية والتجديد في حياتنا اليومية؟
– ما هي الدروس التي يمكن أن نستلهمها من مسيرة الدكتور الريسوني في خدمة العلم والأمة؟
– كيف يمكن لكل منا أن يكون عالمًا في مجاله، يزرع الأمل ويحمل راية القيم النبيلة؟
* الناشر



إرسال التعليق