في فاس… إشاراتٌ عمياء وطرقات تُدرّس الفطنة للناس..!
في مدينةٍ تتهيأ لعرس كروي عالمي، تُغتال التفاصيل الصغيرة بهدوء.
في زحمة التحضيرات، وبين أعمدة الحديد التي تنوء بحمل أضواء مطفأة، يقف “ملتقى طرق” في فاس كأنه ناصية منسية في زاوية مسرح كبير، تُعرض عليه مسرحية صامتة، لا تُحرك فيها شفاه ولا ترف فيها أهداب المسؤولية.
حين تدرس الطريق فنون النجاة…
الإشارات المرورية لم توضع على طرقاتنا لزخرفة البنية التحتية، بل هي “لغة المدينة”، إن صمتت، علت لغة التصادم.
احترامها ليس رفاهية حضارية، بل قاعدة ذهبية لبقاء الأرواح.
فكل ومضة حمراء هي يد توقفك عن السقوط، وكل سهم اتجاه هو بوصلة نجاة.
لكن ما نراه في بعض شوارع فاس – خصوصًا في ملتقى طريق “الكوطيف” قادماً من طريق صفرو – يجعل إشارات المرور تبدو وكأنها أنهت دوامها منذ أشهر، وقررت أن تدخل في “إجازة ضمير”.
أربعة أعمدة ضوئية لا تشتغل منها إلا واحدة، وكأنها “شمعة في مهب السير”، فهل تكفي لهداية أربعة اتجاهات؟
مسرحية صامتة تُعرض بلا جمهور… وبلا نهاية
في ظل هذا التعطيل المزمن، تحول هذا الملتقى إلى أكاديمية لتعليم الفطنة والذكاء الاصطناعي البشري!
أصبح المواطن الفاسي يكتسب مهارات التحليل اللحظي، ويدخل في دورات تدريبية غير معلنة في فن تجنّب الكوارث.
فالكل يترقب، يحلل، يقرر… في ثوانٍ، وكأن السيارة صارت مختبرًا للعقل!
دروس الذكاء القسري على الأرصفة الساخنة
لا أحد من مسؤولي المدينة يمكنه الادعاء بأنه لم يمر من هذا الملتقى.
فالطريق ليس ثانويًا، بل شريان نابض.
لكن الغريب أن “اللامبالاة” يبدو أنها باتت نوعًا من “الفطنة المتقدمة” لدى بعضهم!
وربما يقول قائل: لا بأس، فهم منشغلون بالتحضيرات للمونديال… وكأن الأرواح يمكنها الانتظار إلى حين رفع أول راية في افتتاح البطولة!
إشارات المرور… حين تتدلى كما عيون “القناع” الكرتوني!
في لقطة كرتونية لا تُنسى، يفاجأ “القناع” بشيء غريب، فتخرج عيناه من مقلتيه وتتدلى قبل أن تعود لمكانها.
أما في ملتقى طرق فاس، فإن “عيون” الإشارات بقيت الى وقت قريب متدلية، لم يرجعوها لمقلتها .. بل اكتفوا بتجريد العمود من الأعين المتدلية وتركوه قائما على أصله !
مشهدٌ يجمع بين الكوميديا السوداء والمأساة الحضرية.
الخاتمة: إشاراتٌ مطفأة وأسئلة مضيئة
إلى متى ستظل الإشارات مطفأة والطرقات تُدرّس النجاة بدلاً من أن تُنظّم المرور؟
إلى متى تظل أعمدة الحديد صامدة، بينما تنهار معها أولويات السلامة؟
هل ننتظر أن يُضيء الحادث ما لم تُضِئه المصابيح؟
أم نبقى نردد: “اللهم إنا قد بلغنا… فاشهد.”
أسئلة مفتوحة للقارئ:
هل يجب أن ننتظر وقوع الكارثة حتى تُعاد إضاءة الإشارات؟
متى تصبح التفاصيل الصغيرة كإشارة المرور… من أولويات المسؤولية لا هامشها؟
وهل باتت فطنة المواطن بديلاً دائمًا عن صيانة المصالح المختصة؟
• الناشر



إرسال التعليق