جسور من القلب إلى المدرسة: حين يصير الإصلاح حوارا لا مرسومًا
المدرسة والأسرة… شراكة تتجاوز الجدران
ليست المدرسة جدرانًا تتسع لأجساد الصغار، ولا مِحبرة تلقينٍ تقطُر فوق الأدمغة كل صباح، بل هي روحٌ متصلة بنبض المجتمع، مَرجعٌ قيميّ، وصوتٌ صادق في بناء الإنسان.
ولأن الأوطان لا تُبنى بأوامر علوية بل بمدّ الجسور الأفقية، أطلقت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس-مكناس برنامجها “جسور”؛ اسمٌ بسيط، لكن معناه عميق… يحمل بين حروفه وعدًا بربط ما انقطع، وبناء ما تهدّم، وتجديد ما خبا من أمل بين المدرسة وبيئتها، بين المؤسسة ومن يضع فيها فلذات كبده كل صباح.
جسور لا تعبرها الخطابات فقط
يأتي برنامج “جسور” في لحظة فارقة من مسار إصلاح منظومة التربية، لحظةٍ تعي فيها الدولة، على ما يبدو، أن المدرسة لا يمكنها أن تصلح ذاتها إن لم تُصلح صلاتها، وأن النهوض بالتعليم ليس حِكرًا على الوزارة، بل قضية يتقاطع فيها القلب والأسرة والمجتمع المدني.
انطلق البرنامج انسجامًا مع مقتضيات القانون الإطار 17-51 وخارطة الطريق 2022-2026، لكنه لا يكتفي بتبني المصطلحات الرسمية، بل يسعى إلى مأسسة الحوار بين الإدارات التربوية وجمعيات آباء وأولياء الأمور، فتنكسر الصورة النمطية التي ترى في الآباء مجرد حراس بوابة أو متلقين سلبيين.
حين يصير الأب شريكًا، لا مجرد “ولي أمر”
في مداخلته، أكد مدير الأكاديمية الجهوية، أن دمج هذه الجمعيات في الحياة المدرسية لم يعد خيارا بل ضرورة. فالمدرسة التي تُغلق بابها على محيطها، تُغلق على نفسها أبواب التطور. وأضاف أن الجمعيات ليست زائرة عرضية، بل “شريكٌ استراتيجي” له رأي، وله يدٌ في التخطيط والمتابعة والتقويم، باعتبار أن الحياة المدرسية لا تُدار من أعلى فقط، بل من القلب والعين والضمير الجمعي.
هكذا يتحول “ولي الأمر” من متفرج في الخلفية إلى لاعبٍ في الميدان، من مشتكٍ إلى مقترح، من محبط إلى داعم.
من أجل مدرسة تُحب الحياة
في كلمته، اعتبر عبد المالك عبابو، رئيس فيدرالية جمعيات أولياء التلاميذ بمكناس، أن الجمعيات عازمة على أن تكون فاعلًا لا تابعًا، مشاركًا لا متفرجًا، وقالها بوضوح: الإصلاح لا يُنجز فوق الورق بل على الأرض… ومع من يعيش المدرسة لا من يُراقبها من علٍ.
المثير في الأمر، أن البرنامج لا يقف عند مستوى الأكاديمية، بل ينزل إلى العمالات، إلى المؤسسات نفسها، فيُقرب المسافة بين القرار والممارسة، بين التوجيه والتنفيذ، بين النظرية والواقع.
أسئلة تعيد للمدرسة طُهر الرسالة؟
هل نملك الشجاعة لنتساءل: كم مرة دخلنا المدرسة بعد تسجيل أبنائنا؟ كم مرة سألنا لا عن النقط، بل عن حال القلب والعقل؟
وهل يدرك القائمون على الشأن التربوي أن الثقة لا تُمنح ببلاغ، بل تُبنى بنقاش شفاف وعمل مشترك؟
إن جسور – نحسبه- ليست برنامجًا تقنيًا، بل نَفَسٌ أخلاقي يسعى لإعادة بناء الثقة بين المدرسة والمجتمع. فهل يكون ونكون على الموعد؟ وهل نشارك جميعًا في صيانة “حرمة التعليم” وكرامة الكلمة التربوية، التي إن صدقت، ربّت إنسانًا، وإن خانت، أفرغت الوطن من روحه؟
دعونا نضع أقدامنا على الجسر؟ ولا نكتفي بمشاهدة العابرين من بعيد؟!
• الناشر



إرسال التعليق