مقاطعة أكدال: من الأداء اليومي إلى ثقافة الجودة

مقاطعة أكدال: من الأداء اليومي إلى ثقافة الجودة

انعقد، يوم الإثنين 7 يوليوز 2025، لقاء تكويني بمقر مقاطعة أكدال بمدينة فاس، موجّه لرؤساء المصالح والمكاتب، تحت إشراف السيد محمد السليماني الحوتي الحسني، رئيس مجلس المقاطعة، وبإدارة واعية للسيد محمد جلال بغدادي، مدير المصالح.

اللقاء لم يكن مناسبة لعرض البديهيات، بل خُصص لموضوع شديد الحساسية والجدّية: “الافتحاص والتدقيق الداخلي”، ذلك الفن الصامت الذي لا يُمارس أمام الكاميرات، بل في أوردة المؤسسات، حيث تُختبر النوايا، وتُغربل النظم، وتُعرى مكامن الخلل، لا بتهم ولا بإدانة، بل بميزان العلم وصدق المراجعة.

الدكتور عبد الوهاب عوام، المؤطر لهذا اللقاء، القادم من مشتل الخبرة الأكاديمية والممارسة العملية، قدم عرضاً دقيقاً لم يكتفِ بالتعريفات الجافة، بل رسم خريطة معرفية تُوضح أهمية التدقيق كأداة لا للزجر بل للحماية، لا للمحاسبة فقط، بل للحكمة. تطرّق إلى مفاهيم إدارة المخاطر، ووضع الأولويات، وتدبير الانحرافات الإدارية قبل أن تتضخم. وقد بدا واضحاً أن التفاعل الصادق بين المؤطر والمشاركين لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة عطش حقيقي للتغيير.

ورغم أن بعض المفاهيم مثل “الافتحاص الداخلي” قد تبدو تقنية، إلا أن روح اللقاء كانت أبعد من ذلك؛ كانت أقرب إلى “التكوين الضميري” للإدارة، إلى إعادة تعريف الخدمة الإدارية كرسالة لا وظيفة، وكعقد أخلاقي قبل أن يكون نظاماً.

رئيس مجلس المقاطعة، في كلمته الختامية، لم يكتفِ بالشكر، بل أكد على التزامه بتنظيم لقاءات مماثلة، إيماناً منه بأن التكوين ليس رفاهية إدارية، بل ضرورة وطنية وأخلاقية، وأن جودة الخدمة تبدأ من جودة الإنسان الذي يقدمها.

هل تكفي الخطط دون إنصات نبيل للواقع البشري؟

هذا اللقاء ليس حدثًا عابرًا في سجل يومي مزدحم، بل هو محاولة واعية لزرع ثقافة داخلية تقول للمسؤول: “راقب نفسك كما تراقبك الدولة”، وتهمس للموظف: “اقترب من المواطن لا من الحائط الذي يفصلك عنه”.

في لحظة كهذه، نتساءل معًا:

هل يمكن أن تنبع الجودة من الداخل، لا من الرقابة المفروضة؟

هل يمكن أن تتحول الإدارة من آلة إلى روح؟

وهل نؤمن حقًا أن الإنسان الذي يملأ كرسي المكتب هو ذاته الذي يملأ قلوب المواطنين بالثقة… أو بالخوف؟

هذه المبادرات، مهما بدت صغيرة في مظهرها، قد تُحدِث أثرًا عظيمًا في مسار الوطن، حين يُربى الموظف على المحبة لا التسلط، على الفهم لا التبرير، على الفعالية لا التسويف.

فلنحمل معًا هذا الهمّ النبيل، لا كشكاية بل كمشروع يبحث في موضوع : كيف نبني إدارة تُعامل المواطن لا كرقم في ملف، بل كأخٍ في وطن؟

• الناشر

إرسال التعليق