في فاس صارت “الواقيات الشمسية” أجنحة طائرات متآكلة تجثم على صدر المدينة..!

في فاس صارت “الواقيات الشمسية” أجنحة طائرات متآكلة تجثم على صدر المدينة..!

“في البدء كانت المدينة…”

في البدء كانت المدينة تنفض عن وجهها غبار الزمن، وتستعد لأن تُزف إلى أعين العالم، كما العروس ليلة عرسها. غير أن الزينة لا تُجدي حين تبقى أطراف الرداء متسخة، وحين تظل أعمدة الشرفات تنوء بأحمال الأمس… فما تزال “البيشان” ــ تلك الواقيات البلاستيكية الصدئة ــ تحدّق من الجهة الأخرى للشارع، كأنها ترفض أن تُنسى، أو أنها تنتظر ساعةَ عفوٍ لم تأتِ.
مدينة فاس، حاضرة التاريخ والعلم والفتنة البصرية، تخوض الآن عملية تجميل صارمة قبل حلول كأس العالم 2030. لكن، في زوايا الأرصفة والحدائق، تهمس أطلالٌ من معدنٍ بلا مجد، تحكي قصةَ إزالةٍ لم تكتمل.

الواقيات التي اختارت المكوث في العراء..

مع انطلاق حملة تحرير الملك العمومي، استجاب الكثير من أصحاب المحلات بإزالة الطوعي لـ”البيشان” من على واجهاتهم، متفادين عقوبة الإزالة القسرية وما تخلفه من تشوهات على الجدران وكبرياء الواجهة. إلا أنهم، في مشهد سريالي، لم يبعدوها كثيرًا، بل وضعوها بمحاذاة الطريق، على الأرصفة، أو على أحضان الحدائق، كأنهم ينتظرون مغفرة زمنية تُبيح لهم إعادة تركيبها في لحظة تساهل أو نسيان سلطوي.

لكن الزمن مرّ، والواقيات بَقِيت… فصارت شظايا صدئة نمت عليها الطحالب، وتحولت إلى مأوى للهوام والقطط والكلاب، وكأننا أمام مشهد من فيلمٍ قديمٍ عن مدينة سقطت من دفتر الصيانة الحضارية.

فاس… بين فخ الزينة وسحر الجوهر

منطق الحملة الإصلاحية مقبولٌ ومطلوب، بل هو ضرورة أخلاقية قبل أن يكون تحضيرا لحدث عالمي. غير أن القصة، في عمقها، ليست عن “واقيات شمسية” بل عن ذهنية التأجيل، عن ثقافة التجميل دون تنظيف الجرح، عن وطنٍ يستعد للعالم وهو لا يزال يتعثر في بقاياه.
تُرفع الشعارات، وتُسن القوانين، وتُشن الحملات، لكن من ذا الذي يزيل “البيشان” من العقول؟ من ينزع فكرة التملك من الفضاء المشترك؟ من يعلّمنا أن الحدائق ليست مخازن مؤقتة، وأن الأرصفة ليست مستودعات مؤجلة؟

القصة في تفصيلها الصامت..

الصور التي وصلتنا ليست مجرد توثيق فوتوغرافي، بل هي لقطاتٌ من قصة مدينة تحاول أن تخلع جلدها القديم بيدٍ، وتُخبّئه خلف ظهرها باليد الأخرى. كأن الواقيات باتت رمزا لصراعٍ داخلي: بين الرغبة في التجديد، والخوف من الفقد، بين الحنين إلى العشوائية، والسير نحو النظام.
أشبه ما تكون بأجنحة طائرات العشرينيات ــ تلك التي حلّقت أول مرة فكانت نصف حلم ونصف خطر. وهي اليوم، على رصيف فاس، تطفو كأشلاء حلمٍ لم يُقلع بعد.

خاتمة: “من يُصلح الداخل؟”

قد يزيل الناس الحديد والبلاستيك، لكن ماذا عن بقايا التفكير المؤجل، والانتماء الكسول، والتخلي عن المصلحة العامة؟
فاس الجميلة لا تستحق فقط زينة المباني، بل عنايةً بالجمال الداخلي، وصرامة في القيم كما في القوانين.
فهل نملك الجرأة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن ومدينته؟
هل نؤمن بأن الجمال ليس ما نراه… بل ما لا نضطر لإخفائه؟
وهل نترك للمدن أن تُزيَّن بصدق، لا بزيف؟
إنها ليست حملة نظافة، بل امتحان وعي… فهل ننجح؟

رسالة إلى القارئ الكريم..

للمشاركة والكتابة إلينا حول تجاربكم في مدنكم، أرسلوا لنا رسائلكم أو قصصكم على بريد الجريدة… فلعلّ كلمة نبيلة، تُغيّر مشهدًا بأكمله…
• الناشر

إرسال التعليق

You May Have Missed