فاس ،بين دهشة الطريق ومغامرة العبور: خطان أصفرين فاقع لونهما لا يغفران..
طريقان يسألان: أهذا زمن السائق أم الراجل؟
في فاس، كما في بعض المدن التي تنمو طرقها قبل أن تنضج ضمائرها، لا يُمكنك أن تغمض عينيك وأنت تعبر الشارع.. لا لأنك لا تثق بالسائق، بل لأنك لا تثق بالضمير الذي يقود السائق.
هنا، بين خطين أصفرين يفصلان طريقين رئيسيين: طريق “صفرو” وطريق “أموزار”، يتكرر مشهد الانحراف، لا في العجلات فقط، بل في القيم.
خطّان مستقيمان لا يلتويان، إلا حين يتولى أمرهما ضمير أعوج… وسائق لا يرى في الطريق سوى مسرَحاً لحرب السرعة.
القصة | في حضرة الخط الأصفر… يسقط اللون وتبقى الندبة..
كنت هناك. رأيتُ بعيني رجلاً كهلاً يتردد على حافة الطريق كمن يتهيأ للقفز في نهر هائج.. لا وجود لممرّ الراجلين، ولا إشارة تُنصِفه، ولا سائق يراه.وفي لحظة، هرع اليه احدهم لنسنده كمن ينتشله من موجة قاتلة، ثم عبرا… وعبر معهما وجع السؤال: هل بات العبور مغامرة؟ هل صار الطريق حفرةً تُدفن فيها كرامة الإنسان باسم “التهيئة”؟
الواقع كما هو | ربحنا الطرق.. لكن..!
نعم، الطرق الجديدة في فاس أنيقة، واسعة، وعصرية. كسبنا أمتاراً إضافية، لكن خسرنا الحق في العبور الآمن.
خطان أصفران يرسمان على الأرض قانوناً واضحاً، لكن يتجاهله كثيرون كأنما يقولون: “الطريق لي، والآخر لا يعني لي شيئاً!”
البلدية أنفقت، نعم، ولكنها نسيت أن تُنفق على ما لا يُرى: احترام الإنسان.
فلا ممر للراجلين إلا في بعض الملتقيات، ولا نقطة أمان للمعطوبين، ولا اعتبار للذين لا يملكون دراجة أو سيارة أو صوتاً يصرخ.
التحليل | بين القانون واللاوعي:
الخط الأصفر ليس زينة إسفلتية، بل وصية سلامة. تجاوزه جريمة قانونية، ومأساة إنسانية.
أن نتحدث عن طرق عصرية ولا نخطط لعبور إنساني، منذ البداية فهذه مفارقة غريبة.ولو كان الامر مؤقتا..
الطرقات بدون ممرات راجلين، كالمستشفيات بدون مداخل طوارئ، أو كالمساجد بدون أبواب للنساء… عبثٌ في التفاصيل يقتل الجوهر.
صوت الضمير | متى يكون للسائق قلبٌ لا محرك؟
الضمير السليم لا يحتاج إلى كاميرا مراقبة… يحتاج إلى ذاكرة لا تنسى مشهدَ طفلٍ عبر الطريق ولم يعبر بعده.
هل ننتظر أن تسجل الكاميرات فاجعة حتى نرسم ممرًّا؟
هل نعوّل على وعي السائق وقد أدمن البعض المخاطرة بحياة الآخرين لأجل “اقتصاد المازوط”؟
ملاحظة تحريرية:
نحن كصحفيين لا نقف فقط لتوثيق الحدث، بل لنجعل منه صوتًا يُسمع، وحقًا يُنتزع، ورسالة أخلاقية لا تموت.
نعترف بجمالية الإنجاز… لكننا نُصرّ على أن لا يُكمِل أحد جمال الصورة ما لم نرَ فيها الإنسان واقفًا، آمنًا، حرًّا، وعابراً إلى حقه دون خوف أو مذلّة.
• الناشر



إرسال التعليق