من الكهف إلى الضمير: البهاليل تحتفي بتراثها الحي

من الكهف إلى الضمير: البهاليل تحتفي بتراثها الحي

حيث ينطق الصخر بلسان الإنسان

في قلب مدينة البهاليل، حيث الصخر يحتضن التاريخ والحياة، تجمّع نخبة من المفكرين والفنانين والباحثين في لقاء استثنائي، ليس لاستعادة الماضي فحسب، بل لاستشراف مستقبل يحترم الجذور ويحتفي بالهوية. تحت عنوان “التفكير بدءًا من الكهف”، استضافت المدينة يوم السبت 28 يونيو 2025 نقاشًا فكريًا وميدانيًا، نظمته جمعية “ثقافاس” وشبكة القراءة بصفرو، ليصبح الكهف ليس مجرد مأوى مادي، بل رمزًا للذاكرة الجماعية التي تتشكل فيها هوية الأمة. هذا المقال يروي حكاية ذلك اللقاء، لكنه يفعل أكثر من ذلك: يدعوك، أيها القارئ، لتكون شريكًا في حوارٍ أعمق حول تراثنا ومسؤوليتنا تجاهه.

الكهف: مرآة الهوية

في جولة صباحية عانقت فيها الشمس جدران الكهوف، تجوّل المشاركون—من مهندسين وباحثين وطلبة وفاعلين جمعويين—بين أحضان المساكن التقليدية في البهاليل. لم تكن الجولة سياحية، بل كانت رحلة تأمل في نسيج اجتماعي وثقافي ينبض بالحياة. هنا، حيث الصخر يحتفظ بأسرار القرون، تحدث السكان المحليون عن حياتهم، عن حرفتهم، وعن ارتباطهم العميق بهذا التراث الحي. كان الكهف، في تلك اللحظات، ليس مجرد بناء، بل قصة إنسانية تروي صمود شعب وإبداعه.

الجولة لم تكن للعين فقط، بل للقلب والعقل. كل خطوة كانت دعوة للتفكير: كيف نحافظ على هذا الإرث؟ وكيف نحوله إلى رافعة للتنمية دون أن نفقد روحه؟ إنها أسئلة لا تخص البهاليل وحدها، بل كل ركن في وطننا يحمل بصمة التاريخ.

مائدة مستديرة: حوار العقل والروح

في كهف السيد التهامي النجام، تجمّع الضيوف في مائدة مستديرة لم تكن مجرد نقاش، بل كانت محاكاة لروح البهاليل ذاتها: نقاش مفتوح، دافئ، وعميق. شارك فيها نخبة من المفكرين والمبدعين، من المهندسة اليابانية ميغومي ماتسوبارا، التي أتت حاملة رؤية عالمية للعمارة المستدامة، إلى المهندس أمين الوكيلي، الذي جمع بين الإبداع المعماري والشغف الثقافي، إلى جانب الباحث محمد كمال المريني، والفنانة سعاد الميسور، والأنثروبولوجي محمد حمدوني الذي أدار النقاش ببراعة.

كان الحوار بمثابة نسيج يتشابك فيه الماضي بالحاضر، والمحلي بالعالمي. تحدث المتدخلون عن العمارة الكهفية ليس كتحفة أثرية، بل كتراث حي ينبض بالإمكانيات. كيف يمكن أن تُدمج هذه العمارة في مشاريع تنموية تحترم البيئة؟ كيف نجعل من الكهف رمزًا للاستدامة في زمن يتسارع فيه الاستهلاك؟ طرحت ميغومي ماتسوبارا رؤية ملهمة عن العمارة كجسر بين الثقافات، بينما أكد أمين الوكيلي على ضرورة إشراك المجتمعات المحلية في صياغة مستقبل تراثها. أما سعاد الميسور، فقد أضافت لمسة فنية، مشيرة إلى أن الكهف ليس مجرد حجر، بل لوحة تحكي قصص الأجيال.

التوصيات: بذور لمستقبل مستدام

في الجلسة الختامية، كان الصوت الجماعي هو البطل. صيغت توصيات ليست مجرد كلمات على ورق، بل خارطة طريق للحفاظ على البهاليل كجزء من الذاكرة الوطنية. دعا المشاركون إلى تعزيز الوعي بأهمية التراث الكهفي، وإلى إشراك الشباب في مشاريع إحيائه، وإلى تبني نهج التنمية المستدامة التي تحترم الهوية المحلية. لم تكن هذه التوصيات مجرد مطالب، بل كانت دعوة للجميع—من حكومة إلى مواطن—لتحمل مسؤولية الحفاظ على هذا الكنز.

البهاليل: تراث يتحدى الزمن

البهاليل ليست مجرد مدينة، بل هي فكرة. فكرة أن الإنسان قادر على العيش في انسجام مع الطبيعة، وأن التراث ليس عبئًا، بل ثروة يمكن أن تُلهم المستقبل. في زمن يتسارع فيه الإسمنت ليغطي الأرض، يقف الكهف شامخًا، يذكرنا بأن البساطة قد تكون أعمق من التعقيد، وأن الجذور إذا أُحسنت رعايتها، تصبح أغصانًا تظلل الأجيال.

• الناشر

إرسال التعليق