حين يبيع الجشعُ جمالَ فاس مقابل عبوة صباغة..!
القانون الغائب… والضمير الأغبى!
لم تعد جدران المدن سجلات للتاريخ ولا لوحات للهوية… بل تحولت – في بعض الشوارع – إلى دفاتر رخيصة لخربشات الطمع ورسائل البخل، تُسَجَّل فيها عبارات أشبه بالطعنات في قلب الجمال. هنا، في المدينة العالمة، فاس الأصالة، لم تسلم حتى واجهات المحلات من عدوى “الكتابة المتوحشة”، حيث اختار البعض أن يعلق إعلانًا على حساب الذوق العام، ويكتب إعلانًا على حساب كرامة الجدران!
قصة من قلب المدينة:
في أحد أحياء فاس، محلٌّ مغلق منذ زمن، لكن صاحبه لم يُغلق شهيته للربح، فصبغ بابه الحديدي العتيق بلون أحمر صارخ، وكتب عليه عبارة “محل للبيع”، مذيّلًا إياها برقم هاتف طويل كحبل الجرأة! لم يكترث للمشهد، لم يشعر أن حائطه جزء من صورة أكبر، اسمها الوطن!
وعلى بُعد أمتار، مشهدٌ آخر لا يقل بشاعة… محلٌ آخر أغلقه صاحبه على بضاعته، وفتح بابه أمام تظلمه! كتب تحذيرًا صارخًا بلون الدم: “ممنوع رمي الأزبال هنا!”. لكنه لم يدرك أنه برمي تلك العبارة على الحائط، قد شوّه المدينة أكثر من أي كيس قمامة.
ماذا يقول الناس؟
عاب المارة هذه المشاهد، واعتبروها أكثر ضررًا من رمي القمامة، فالأولى تُزال في دقائق، أما آثار الصباغة والملصقات اللاصقة فربما تبقى سنوات، ترفض حتى التنظيف… وتبكي الجدران.
وأشار مواطنون إلى أن غياب الردع القانوني هو ما جعل كل من أراد البيع أو التحذير أو حتى “التفريغ” النفسي، يلجأ إلى أقصر الطرق وأرخصها وأقلها ذوقًا: صباغة حمراء، وضمير رمادي!
المذنبون في الظل والنور:
ليست الكتابة وحدها من تنهش جدران المدينة، بل هناك أيضًا ملصقات تُثبّت على الأبواب والجدران بمادة لاصقة، تكاد تخلع الطلاء وتقتلع جزءًا من الهوية معها! بعض الشباب يعمد إلى رسم شعارات وعبارات بذيئة ليلًا، في غياب الرقابة… لكن الأسوأ من هؤلاء، هم المعلِنون بأسمائهم وأرقام هواتفهم، الذين يصعب إنكارهم لكن لا أحد يردعهم.
حين ينطق الجدار… ويصمت القانون!
إن ما يحدث في فاس ليس تفصيلًا عابرًا في لوحة المدينة، بل هو شرخ في نسيجها الجمالي والأخلاقي. فحين تُهان الجدران، تُهان معها الذاكرة، والذوق، والانتماء.
والمؤسف أن القانون، حين يغيب، يُستبدل بالحيلة، وحين يُنسى، يكتب آخرون على الحيطان ما لا يستطيعون قوله على الورق، أو تحمّله على فاتورة الإعلان الرسمي!
رسالة المقال:
صاحبا المحلين، وإن اختلفت غايتاهما، اجتمعا على خيانة الذوق العام. الأول جشِع، باع منظر مدينته مقابل قطرة صباغة. والثاني بخيل، حارب الأزبال بعبارة أوسخ من الزبالة نفسها!
فهل يحق لأحد أن يتصرف في واجهة المدينة وكأنها حائط منزله؟ وهل المصلحة الخاصة تبرر تشويه المصلحة العامة؟ وأين هو القانون من كل هذا؟ والأهم… أين نحن كمجتمع من هذه الظواهر التي تغتال الجمال كل يوم؟
خاتمة إنسانية حاملة للرسالة:
إننا لا نطلب كثيرًا حين نطلب احترام الجدران… فالجدران مرآتنا، وهي أول من يُلقي التحية على الزائر، وهي الشاهد الصامت على حضارتنا. فإما أن نتركها نظيفة، أو نتركها وشأنها.
فلنسأل أنفسنا:
هل نحن كأفراد نضيف إلى مدننا جمالًا أم نشوّهها؟
هل نكتب بالكلمة… أم نخدش بالحرف؟
وهل يمكن لحملة توعية بسيطة، أو قانون مفعّل، أو ضمير حيّ… أن يُعيد للمدن وجهها الجميل؟
ربما لا تحتاج المدن إلى إعادة ترميم بقدر ما تحتاج إلى إعادة “احترام”.
ومن لا يحترم الجدران… لا يُؤتمن على الأوطان!
• الناشر



إرسال التعليق